لم يكن المشهد داخل المتحف المصري الكبير مألوفًا كما اعتاد الزائرون… فهنا حيث تتجاور الحجارة التي تحمل تاريخ آلاف السنين، وحيث تقف الحضارة المصرية شامخة في صمتها، كانت هناك لحظة مختلفة تمامًا، لحظة لم تُخلق من أجل قطعة أثرية جديدة أو كشف أثري مثير، بل من أجل المستقبل نفسه.
في قلب هذا الصرح الذي شُيّد ليكون بوابة العالم نحو التاريخ، بدا وكأن المتحف يفتح بوابة أخرى… بوابة نحو الشمس.
داخل حفل رسمي بالمتحف، كانت الأضواء تتجه إلى محطة جديدة للطاقة الشمسية تم تدشينها وسط أجواء حملت رسالة واضحة: المتحف المصري الكبير لا يكتفي بأن يعرض الماضي، بل يريد أن يصنع الغد.
ووفقًا لما نشرته بوابة أخبار اليوم، جاءت كلمات وزير السياحة والآثار شريف فتحي في سياق يعكس رؤية مختلفة لمفهوم المتحف، رؤية لا ترى في المتحف مجرد قاعات للعرض، بل مؤسسة حديثة تمتد رسالتها إلى ما هو أبعد من حفظ التراث، لتصبح الاستدامة جزءًا أصيلًا من الهوية.
في هذه اللحظة، لم يكن الحديث عن مشروع تقني عابر، بل عن تحول كبير يشهده القطاع السياحي، حيث باتت الطاقة النظيفة لغة عالمية جديدة، وأصبح التنافس بين المقاصد السياحية لا يقوم فقط على عدد المعالم والآثار، بل على مدى قدرة كل دولة على احترام البيئة ودمجها في خطط التطوير.
وسط هذا المشهد، بدت الأرقام وكأنها دليل على أن مصر بدأت تخطو بالفعل في هذا الاتجاه؛ إذ إن تطبيق الطاقة الشمسية لم يعد فكرة على الورق، بل تجربة تمتد على أرض الواقع، مع وجود 6 متاحف مصرية طبقت بالفعل نظام الطاقة الشمسية، إلى جانب أن نحو 50% من المنشآت الفندقية ومراكز الغوص تعمل حاليًا على الدمج بين طبيعة النشاط السياحي ومتطلبات الحفاظ على البيئة.
ولأن المتحف المصري الكبير ليس مجرد مبنى ضخم، بل تحفة معمارية ذات طابع خاص، فقد كان الاهتمام بالشكل الجمالي جزءًا من تفاصيل المشروع، حيث ظهرت الخلايا الشمسية المستخدمة في بعض المواقع وكأنها تتخذ هيئة رخامية تتماشى مع المظهر العام للمتحف، في تجربة تُنفذ لأول مرة بهذا الشكل داخل مصر.
وبينما كانت القاعة تمتلئ بالحضور، بدت الرسالة وكأنها تتجاوز حدود الكلمات… فالتاريخ الذي تحتضنه الجدران لم يعد وحده هو العنوان، بل أصبحت البيئة شريكًا جديدًا في الحكاية.
المشروع، بحسب تفاصيله، يعتمد على:
تركيب خلايا شمسية على السور الجانبي للمتحف.
تطبيق تكنولوجيا الخلايا المتكاملة مع المباني (BIPV) داخل مبنى مراكب الشمس.
قدرة إنتاجية تصل إلى 200 كيلووات، بما يسهم في تغطية نحو 12% من إجمالي استهلاك المتحف من الكهرباء.
محطة إضافية قيد العمل لرفع إجمالي القدرة الإنتاجية إلى نحو 1 ميجاوات.
وخلال الحفل، بدت العلاقات الدولية وكأنها جزء من تفاصيل هذا التحول، حيث جاءت كلمات سفير اليابان بالقاهرة لتعكس رمزية المشروع، خاصة أن الطاقة المتجددة تمثل أحد الركائز الأساسية للتعاون الاقتصادي بين مصر واليابان، بينما يحمل المتحف المصري الكبير نفسه دلالة خاصة كأحد رموز الصداقة بين البلدين.
أما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فكان حاضرًا أيضًا ضمن الصورة، حيث عبّرت تشيتوسي نوجوتشي، الممثل المقيم للبرنامج، عن أن المحطة تمثل نموذجًا عمليًا يجمع بين التراث والابتكار، لخدمة أهداف التنمية المستدامة، وخاصة في مجالي الطاقة النظيفة والعمل المناخي، مؤكدة أن توسع المتحف في زيادة قدرات المحطة يعكس التزامًا واضحًا بمفهوم الاستدامة.
وفي قلب الحدث، ظهرت رؤية إدارة المتحف بصورة أعمق، إذ جاء الحديث عن أن المشروع ليس مجرد محطة طاقة شمسية، بل جزء من تصور أكبر لتحويل المتحف إلى "متحف أخضر"، لتصبح الاستدامة ممتدة من التصميم إلى التشغيل اليومي، ومن الإنشاء إلى الإدارة.
ضمن هذه الرؤية، بدأ المتحف بالفعل في إعداد تقرير سنوي للبصمة الكربونية، وهو ما يتيح قياس الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة المختلفة، ومتابعتها، والعمل على تحسين الأداء البيئي بشكل مستمر وفقًا للمعايير الدولية.
من جانب آخر، ظهرت أهمية المشروع في سياق رؤية مصر 2030 التي تضع البعد البيئي في قلب عملية التنمية، وتدفع نحو التحول للاقتصاد الأخضر، وتعزيز القدرة على مواجهة تغير المناخ، وهو ما يجعل هذا المشروع يتجاوز فكرة إنتاج الكهرباء ليصبح جزءًا من التزام أكبر.
وتحدث مسؤولو الجهات المعنية عن أن المتحف المصري الكبير لم يعد مجرد وجهة للزوار، بل أصبح نموذجًا لتطبيق أفضل الممارسات البيئية، وربما خطوة أولى نحو أن يكون أول متحف "أخضر" صديق للبيئة في أفريقيا والشرق الأوسط.
أما الأرقام، فقد جاءت لتؤكد أن المشروع ليس رمزيًا فقط، بل له عائد ملموس؛ فالمحطة:
تولّد سنويًا نحو 168 ألف كيلووات/ساعة من الطاقة النظيفة.
تساهم في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 79 طنًا سنويًا.
وهو ما يعكس مردودًا بيئيًا واقتصاديًا مباشرًا.
وبعد انتهاء مراسم التدشين، تحرك الحضور في جولة تفقدية داخل محطة الطاقة الشمسية، في مشهد يحمل دلالة خاصة… حيث يتجاور حجر التاريخ مع ضوء الشمس، ويتحول المتحف من مجرد حارس للتراث إلى شريك في صناعة عالم أكثر نظافة.
في النهاية، لم يكن تدشين محطة الطاقة الشمسية بالمتحف المصري الكبير مجرد خبر عابر، بل لحظة تقول إن مصر لا تطور السياحة فقط، بل تطور فلسفتها… وتكتب فصلًا جديدًا يجعل الحضارة القديمة تمشي جنبًا إلى جنب مع طاقة المستقبل.