في رحلة البحث عن كنوز مصر المنسية وكيفية إعادة إحيائها، كان لزاماً علينا أن نلتقي بمن يجمع بين عمق المعرفة الأكاديمية والرؤية العملية الميدانية. لم يكن اللقاء مجرد حوار صحفي تقليدي، بل كان بمثابة استعادة لزمن مضى، وجلسة ودية مع أستاذي الذي غرس فيّ أولى بذور الشغف بالجغرافيا والتاريخ في أروقة المرحلة الثانوية.
هناك، في رحاب جامعة طنطا، التقينا بالباحث في علم الآثار المصرية والحاصل على درجة الماجستير في ذات التخصص، الأستاذ أحمد سامي الشورة. الرجل الذي لم يكتفِ بالجانب الأكاديمي، بل امتدت إسهاماته لتشمل الجانب العملي والسياسي، بصفته أميناً لمتحف الآثار التعليمي بالجامعة، وأميناً للسياحة والآثار بحزب مستقبل وطن.
يعيش حالة من التناقض؛ فهو يقف في منطقة وسطى بين تطور ملحوظ في الاكتشافات وافتتاح متاحف كبرى، وبين إهمال لا يزال يطال بعض المواقع.
المشكلة الأعمق تكمن في نظرة المجتمع، فالاهتمام بالآثار ما زال موسمياً وسطحياً، يرتبط بحدث ضخم كـ"موكب المومياوات" ثم يخفت. أتمنى أن يتحول هذا الاهتمام إلى وعي مجتمعي راسخ يقدر قيمة الهوية وتاريخ الأجداد.
"دراسة الآثار" في قاعات المحاضرات تمنح الباحث الأساس العلمي والنظري، لكن "العمل الميداني" هو الروح. فبين ذرات التراب في المواقع الأثرية يكتشف الباحث شغفه الحقيقي ويتعلم كيف يستنطق الحجر، وهو شعور لا يمكن للكتب وحدها أن تنقله.
للأسف، الكثيرون يختزلون الحضارة المصرية في خرافات "الزئبق الأحمر" و"لعنة الفراعنة" أو مجرد كونها كنوزاً من الذهب المدفون. هذه النظرة المشوهة أفرزت ظاهرة خطيرة ومحزنة؛ وهي لجوء البعض للحفر خلسة أسفل منازلهم بحثاً عن الثراء السريع.
هؤلاء ضحايا الجهل والطمع المزدوج. مواجهة هذه الجريمة في حق الوطن لا تقتصر على التغليظ الأمني والعقوبات القانونية فحسب، بل تتطلب قبل كل شيء ثورة في الوعي وتغييراً جذرياً في المناهج الدراسية لتصحيح هذه المفاهيم.
هذا المتحف وغيره من المتاحف التعليمية تمثل حائط صد منيع لحماية التراث وتثقيف الشباب، فهي تخرج الآثار من العرض السياحي البحت إلى العرض التعليمي التفاعلي.
ضعف الإمكانيات والميزانيات المخصصة لها، تحتاج هذه المتاحف إلى دعم مؤسسي ومجتمعي أكبر لتطوير أساليب العرض بها لتصبح قادرة على جذب الطلاب والتأثير فيهم بشكل أعمق.
يعود ذلك إلى افتقارها للبنية التحتية، وضعف التسويق، وغياب الخدمات الأساسية التي يحتاجها السائح، والحل يكمن في الشراكة مع القطاع الخاص لتطوير محيط هذه المواقع، ووضعها على خريطة السياحة المحلية كخطوة أولى، ثم الترويج لها عالمياً.
الإعلام الحالي مقصر في الترويج المستدام لآثارنا، حيث يكتفي باللحاق بـ "التريند" دون تقديم محتوى وثائقي وتوعوي جذاب ومستمر.
أشيد بشدة بفكرة مشروعكم. تقنيات كـ الواقع الافتراضي، والذكاء الاصطناعي، والخرائط التفاعلية لم تعد رفاهية، بل هي لغة العصر. استخدام هذه الأدوات يمكن أن يحيي المواقع المنسية ويقدم تجربة سياحية مبهرة تعوض نقص المرشدين وتتخطى حاجز الزمان والمكان.
ترتكز الرؤية على محورين:
أولهما: صياغة تشريعات تحفز الاستثمار في قطاع الخدمات السياحية.
ثانيهما: تبني مبادرات لرفع الوعي الأثري للحد من أخطر التحديات التي تواجه آثارنا.
ضعف الوعي هو التحدي الأخطر، فالمواطن الواعي هو الحارس الأول لآثار بلده، وبدون الوعي تتفشى السرقات والتعديات ويستمر الإهمال.
بكل تأكيد، فعلم الآثار ليس مجرد مهنة نقتات منها، بل هو نداء للتاريخ يسري في الدماء.. هو شرف حراسة هوية هذا البلد العظيم، ولو عاد بي الزمن لاخترت هذا الشرف مراراً وتكراراً.
يُعد الأستاذ أحمد سامي الشورة أحد الباحثين البارزين في علم الآثار المصرية، حاصل على درجة الماجستير في تخصص الآثار. يشغل منصب أمين متحف الآثار التعليمي بجامعة طنطا، كما يتولى أمانة السياحة والآثار بحزب مستقبل وطن.