في الوقت الذي تكافح فيه بعض المتاحف العالمية أزمات التكدس والإهمال والفوضى الإدارية – وآخرها فضيحة المتحف البريطاني عام 2023 حين سُرقت آلاف القطع وبِيع بعضها على الإنترنت – تتحول المتاحف المصرية بخطى ثابتة إلى مشروع حضاري طموح لإحياء التاريخ لا تخزينه فقط.
ففي جلسة مجلس إدارة المجلس الأعلى للآثار التي عُقدت صباح يوم 5 مايو 2026 برئاسة وزير السياحة والآثار شريف فتحي، وبحضور الأمين العام الدكتور هشام الليثي، استعرض الأعضاء – حسب البيان الرسمي الصادر عن الوزارة – أبرز ما تم إنجازه خلال الربع الأول من العام، وكان أبرزها: تحويل المخازن القديمة إلى مختبرات ترميم متطورة، ورقمنة 30 ألف قطعة أثرية، وتركيب أنظمة مراقبة إلكترونية في 15 موقعاً أثرياً كبيراً.
يجيب عن هذا السؤال الدكتور زاهي حواس، عالم الآثار المصري، في تصريحات خاصة نقلتها وكالة "فرانس برس" بتاريخ 28 أبريل 2026: "الفرق أن المتاحف الغربية تعرض القطع المسروقة أصلاً أو المنقولة من مواطنها، بينما في مصر ترى القطعة الأثرية تتنفس في أرضها وتحت سمائها".
ويضيف الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في مقال له بجريدة "الأهرام" المسائي 3 مايو 2026: "السياق هو الساحر الحقيقي. في معابد الأقصر أنت لست بصدد قطع في علب زجاجية، بل تقف داخل صرح بناه رمسيس الثاني بيديه. هذا الفارق الجوهري يخلق ارتباطاً عاطفياً لا يمكن هندسته".
وتؤكد الأرقام الصادرة عن وزارة السياحة والآثار (بيان 4 مايو 2026) أن زيارة المصريين للمتاحف ارتفعت بنسبة 210% بعد افتتاح المتحف المصري الكبير (الذي افتتح في 1 نوفمبر 2025)، حيث بلغ عدد الزائرين المصريين خلال الربع الأول 1.2 مليون زائر، مقابل 398 ألفاً في نفس الفترة من 2025. وهذا يعكس نجاح سياسة التسعير المدعوم للمصريين (10 – 20 جنيهاً).
أعلن الدكتور الطيب عباس، الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف المصري الكبير، في مؤتمر صحفي عُقد بمقر المتحف بتاريخ 22 مارس 2026، أنه بالتعاون مع معهد الآثار الأمريكي (ARCE) وبدعم من السفارة الأمريكية بالقاهرة، تم رفع قاعدة بيانات 10 آلاف قطعة أثرية بتقنية الـ 3D، وسيتم إتاحتها للجمهور عبر منصة إلكترونية قبل نهاية 2026.
وقال عباس: "نحن لا ننافس في عدد القطع، بل في دقة التوثيق وسهولة الوصول. السائح يمكنه الآن مسح رمز QR على أي قطعة ليقرأ قصة وصولها وأهميتها العلمية، وهذا يمنع تزييف المعلومات".
وتلتقط الدكتورة غادة جبارة، رئيس قطاع المتاحف بوزارة السياحة، الخيط من هنا، ففي حوارها مع قناة "إكسترا نيوز" 30 أبريل 2026 قالت: "التكنولوجيا البيئية الدقيقة التي نستخدمها في مراقبة الرطوبة والحرارة وغازات الأكسدة جعلت متاحفنا الأكثر أماناً في المنطقة. فمثلاً قاعة المومياوات الملكية بالمتحف القومي للحضارة مزودة بـ 128 حساساً تراقب الوضع لحظة بلحظة".
ومن نافذة المعارض الخارجية، كشف الدكتور هشام الليثي أمام مجلس إدارة المجلس الأعلى للآثار يوم 5 مايو 2026 أن معرض "رمسيس وذهب الفراعنة" في لندن حقق مبيعات تذاكر بلغت 7 ملايين جنيه إسترليني حتى الآن، بينما معرض هونج كونج حقق 12 مليون دولار، ويجري التفاوض لمد جولة معرض "كنوز الفراعنة" إلى متاحف أمريكية كبرى (لم يسمها البيان). وأشار إلى أن هذه الأموال تعاد استثمارها في تطوير المتاحف المصرية، وفقاً لنظام الإتاحة الذي أقره البرلمان عام 2024.
ما يحدث في مصر اليوم هو تحول من متاحف "تخزين" إلى متاحف "حياة". لكن التحديات لا تزال قائمة، أبرزها: تدريب الكوادر على التكنولوجيا الجديدة، وتسويق المتاحف الإقليمية خارج القاهرة والأقصر. ومع ذلك، فإن الشهادة الدولية بالمتحف المصري الكبير كأفضل مبنى متحفي في العالم لعام 2025 (جائزة "بي دي" العالمية للهندسة المعمارية) والتغطية الإعلامية المستمرة تعني أن الرسالة وصلت.