تزخر محافظة الوادي الجديد بعدد كبير من المناطق الأثرية والسياحية التي تمثل عنصر جذب مهم للزائرين من مختلف المحافظات، خاصة المدن الإسلامية القديمة التي تعود نشأتها إلى نحو 600 عام، والتي كانت في فترات سابقة بمثابة عواصم للحكم الإسلامي داخل الواحات، وتحديداً مدينتي بلاط والقصر اللتين تُعدان من أبرز النماذج المعمارية الفريدة في مصر.
تتميز هذه المدن بأنها شُيدت على الطراز الأيوبي والمملوكي والعثماني، حيث يظهر ذلك في تصميم منشآتها التي جمعت بين البساطة والإبداع، واعتمدت على ثقافة التحصين والاحتماء، من خلال التخطيط المتشابك الذي يشبه المتاهة، والذي يمنح الزائر شعوراً بالدهشة والمتعة أثناء التجول بين شوارعها الضيقة ودروبها المتداخلة.
وتعتمد المدن الإسلامية الأثرية بالوادي الجديد في تصميمها على البناء المتناسق والمتناغم، إذ يشعر الزائر براحة نفسية رغم صعوبة الحركة أحياناً داخل الأزقة، وهو ما يعكس عبقرية التخطيط المعماري الذي راعى البيئة الصحراوية القاسية، وفي الوقت نفسه وفر الحماية للمدينة وسكانها.
كما استخدم البناؤون القدماء مواد طبيعية محلية مثل الطوب اللبن وخشب السنط وجريد النخيل وجذوعه، وهو ما ساهم في تقليل درجات الحرارة داخل المنازل وتحقيق العزل الحراري، إلى جانب منع تسلل الأعداء بسهولة إلى داخل المدن، لتصبح هذه التجمعات العمرانية أشبه بمدن محصنة ومتماسكة.
يُعد أسلوب البناء في هذه المدن الإسلامية نموذجاً مبكراً لما يُعرف اليوم بـ "العمارة المستدامة"، إذ يتوافق تخطيطها بشكل كبير مع البيئة الصحراوية شديدة الحرارة، حيث اعتمدت على نظم التكييف الطبيعي من خلال التحكم في فتحات التهوية واتجاهات الظل والسقائف، والتي تعد من الرموز المعمارية الأصيلة في تاريخ الواحات.
ويظهر هذا بوضوح في تصميم مدينة بلاط الإسلامية العتيقة، التي تقع على مساحة تقدر بنحو 22 فداناً فوق ربوة مرتفعة، حيث تم اختيار هذا الموقع لأسباب دفاعية، بهدف رؤية أي عدو قبل اقترابه من المدينة، وكذلك لحمايتها من تأثير المياه الجوفية.
وتتميز المدينة بـ تخطيط عمراني يقوم على الالتصاق بين المنازل والبناء المتقارب، وهو ما يقلل من تعرض الجدران لأشعة الشمس المباشرة، إلى جانب وجود الفناء المكشوف كعنصر رئيسي في تصميم البيوت، مما يساهم في تجديد الهواء وتلطيف الأجواء.
كما اعتمدت المدينة على سمك الجدران المصنوعة من الطوب اللبن الذي يساعد في خفض درجات الحرارة، فضلاً عن ضيق الممرات وارتفاع المباني على جانبيها، مما يؤدي إلى تكوين ظلال دائمة داخل الدروب، ويساهم في حماية السكان من حرارة الشمس.
وتنتشر داخل المدينة السقائف التي تعلو أجزاء من الطرق، والتي كان لها دور كبير في تقليل حرارة الجو داخل الأزقة، لتصبح مدينة بلاط نموذجاً فريداً في العمارة الصحراوية الصديقة للبيئة.
تحمل مدينة بلاط الإسلامية تاريخاً عريقاً يظهر في تفاصيلها الدقيقة، حيث تضم مجموعة من الأعتاب الخشبية التي تعلو واجهات المنازل، والتي نُقشت عليها زخارف بالحفر البارز، وتعد هذه الأعتاب من أهم ما يميز المدينة لأنها تحمل تواريخ قديمة مدونة عليها، حيث يُعد أقدم تاريخ مسجل هو 1163 هـ، بينما أحدث تاريخ وصل إلى 1253 هـ.
وسميت المدينة بهذا الاسم لأنها كانت مقراً للبلاط الملكي في العصر العثماني، ما يفسر أهميتها السياسية والإدارية في ذلك الوقت.
وتضم مدينة بلاط عدداً من المعالم الأثرية البارزة، من بينها ديوان العمدة، ومسجد عين قبالة، ومسجد عين علم، وبيت عائلة إبراهيم، بالإضافة إلى الطواحين القديمة وعصارات الزيتون، ما يعكس وجود حياة اقتصادية نشطة داخل المدينة في الماضي.
كما تحتوي المدينة على العديد من المنشآت الدينية والمدنية مثل المساجد والكتاتيب والمنازل متعددة الطوابق، حيث تتنوع بين منازل من طابق واحد وأخرى تصل إلى طابقين أو ثلاثة، وهو ما يعكس التطور العمراني الذي شهدته المدينة عبر العصور.
ولم تقتصر المدينة على المنشآت السكنية فقط، بل ضمت أيضاً منشآت خدمية مثل الطواحين والعصارات والموانئ والحوانيت، مما يؤكد أنها كانت مجتمعاً متكاملاً قائماً بذاته.
تعتبر مدينة القصر الإسلامية من أشهر المدن الأثرية الإسلامية في واحات الوادي الجديد، حيث تقع على بعد نحو 32 كيلومتراً شمال مدينة موط، عاصمة مركز الداخلة، ويحيط بها عدد من المعالم الطبيعية والأثرية التي تزيد من أهميتها.
ويحد المدينة من الشمال تل مرتفع، ومن الشرق بئر العين الحامية، ومن الجنوب مسجد نصر الدين، ومن الغرب مقام الشيخ حمام، كما يوجد في طرفها الشمالي ضريح الشيخ أبي بكر.
ويرجع اسم المدينة إلى وجود بقايا قصر روماني قديم تحت أطلال القرية، ويظهر التأثير الروماني في الأحجار المستخدمة في واجهات بعض المنازل القديمة، مما يمنح المدينة طابعاً معماريًا مختلطاً يعكس تتابع الحضارات عليها.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن مدينة القصر كانت أول مدينة استقبلت القبائل الإسلامية في الواحات عام 50 هـ، ويوجد بها بقايا مسجد يعود إلى القرن الأول الهجري، وهو ما يجعلها من أقدم المناطق الإسلامية في مصر.
وقد ازدهرت المدينة بشكل كبير خلال العصر الأيوبي، حيث كانت عاصمة الواحات ومقراً لقصر الحاكم، كما تضم أحد أقدم المداخل التاريخية وهو "مدخل الحصن"، الذي يعكس الطابع الدفاعي للمدينة في العصور الإسلامية، حيث تم تصميمه بطريقة تحصينية تمنع الاختراق السهل.
وتعد مدينة القصر اليوم بمثابة متحف تاريخي مفتوح، لأنها تضم آثاراً تعود إلى العصور الفرعونية والرومانية واليونانية والقبطية والإسلامية، ما يجعلها نموذجاً فريداً للتنوع الحضاري الذي مر على أرض مصر.
تبقى مدن الوادي الجديد الإسلامية مثل بلاط والقصر شاهداً حياً على عبقرية المصري القديم في التكيف مع البيئة القاسية، وتقديم نموذج معماري متكامل يجمع بين الجمال والدفاع والاستدامة، لتظل هذه المدن أيقونة جذب سياحي وأثري تستحق المزيد من الاهتمام والترويج.