في كشف أثري جديد يُسلط الضوء على التاريخ المنسي للقطاع الجنوبي الشرقي من مدينة الإسكندرية، أعلنت وزارة السياحة والآثار – في بيان أصدرته صباح يوم 4 مايو 2026 – عن اكتشاف مجموعة متميزة من العناصر الأثرية والمعمارية في منطقة محرم بك بحي وسط الإسكندرية، من بينها حمام عام دائري نادر من العصر البطلمي المتأخر (نحو 150-100 ق.م)، وبقايا فيلا سكنية رومانية مزودة بأرضيات من الفسيفساء متعددة الألوان، بالإضافة إلى مجموعة من القطع الأثرية المتنوعة التي تعود للعصور البطلمية والرومانية والبيزنطية، وفقاً لما نقلته وكالة رويترز عن البيان.
قال الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، في تصريحات خاصة لشبكة CNN بالعربية يوم 4 مايو: "أعمال الحفائر كشفت عن تسلسل حضاري متكامل يبدأ من العصر البطلمي مروراً بالعصر الروماني وصولاً إلى العصر البيزنطي، ما يعكس استمرارية الاستيطان بالموقع عبر فترات زمنية متعاقبة. وهذا هو المرة الأولى التي نكتشف فيها حماماً من طراز 'Tholoi' (الدائري) في هذا القطاع من المدينة، وهو كان يستخدم للاستحمام الجماعي والطقوس الصحية". وأضاف الليثي لـCNN أن الحمام يتميز بقبته الحجرية المتقنة الصنع، ونظام التدفئة الأرضي (hypocaust) الذي يعيد للأذهان التطور المعماري الروماني في مصر.
من جانبه، أوضح محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، في بيان الوزارة: "الموقع يقدم نموذجاً متكاملًا لتطور العمارة السكنية والخدماتية في الإسكندرية القديمة، حيث كشفت الحفائر عن منشآت مائية متطورة تشمل خزانات وقنوات طينية وجدران معزولة بالمصاطب". وأشار عبد البديع إلى اكتشاف مسبح صغير (قطره 3 أمتار) مرتبط بالفيلا الرومانية، مزود بنظام متكامل لتسخين المياه وإعادة تدويرها، وهو مستوى من الرفاهية لم يكن متوقعاً في هذا الحي الشعبي قديماً.
كما عُثر داخل الموقع – وفقاً لتقرير الجزيرة نت (4 مايو 2026) – على تماثيل رخامية لمعبودات يونانية رومانية؛ منها تمثال لـ "باخوس" (إله الخمر) بارتفاع 55 سم، وآخر لـ "أسكليبيوس" (إله الطب والشفاء)، بالإضافة إلى تمثال فاقد الرأس يُرجح أنه للمعبودة "مينيرفا" (إلهة الحكمة). ويعتقد الدكتور هشام حسين، رئيس الإدارة المركزية لآثار الوجه البحري، في حديث لقناة "اكسترا نيوز" مساء 4 مايو، أن وجود هذه التماثيل يشير إلى أن قاطني الفيلا كانوا من الطبقة العليا المثقفة التي تمزج بين الديانة والطب والثقافة الهلنستية.
المكتشفات لم تقتصر على التماثيل؛ بل عُثر أيضاً على عملات معدنية برونزية وفضية تعود للإسكندر الأكبر والبطالمة والإمبراطور الروماني هادريان، وأوانٍ فخارية "أمفورات" مختومة كانت تستخدم لاستيراد النبيذ وزيت الزيتون من جزيرة كوس ومناطق آسيا الصغرى، ما يثبت أن هذا الحي كان جزءاً من شبكة تجارة عالمية مزدهرة، وفقاً لتحليل مؤقت أجرته البعثة.
قالت الدكتورة مروة الوكيل، أستاذ الآثار اليونانية الرومانية بجامعة الإسكندرية، في تصريحات نقلتها صحيفة "الوطن" (4 مايو): "لفترة طويلة، كان يُعتقد أن المنطقة الواقعة بين محطة الرمل ومحرم بك كانت فقيرة أثرياً بسبب التدمير العمراني الحديث. الكشف الحالي يُغير هذه المعادلة، ويفتح الباب لإعادة النظر في خرائط الإسكندرية القديمة. إذن، هناك طبقات مسكونة بالكامل من العصر البطلمي حتى العصر البيزنطي، وهذا يضيف فصولاً كاملة عن الحياة اليومية." وأضافت الوكيل أن أرضيات الفسيفساء المكتشفة – والتي تظهر نقوشاً لهندسية وزخارف نباتية – تشبه في أسلوبها تلك التي وجدت في فيلات بومبي، لكنها تنفرد بإضافة عناصر مصرية مثل زهرة اللوتس وأوراق البردي.
أكدت وزارة السياحة والآثار أنه تم نقل القطع المنقولة إلى المخازن المتحفية بمتحف الإسكندرية القومي، بينما يجري ترميم الفسيفساء والمنشآت الثابتة في الموقع تمهيداً لدراسة إمكانية فتحه للزوار كمتحف مفتوح صغير، وفقاً لما صرح به وزير الآثار شريف فتحي في ختام جولته التفقدية بالإسكندرية بتاريخ 3 مايو.
كشف محرم بك ليس مجرد اكتشاف أثري عابر، بل هو إعادة كتابة لتاريخ مدينة ظننا أننا نعرف كل شيء عنها. وربما تكون هذه بداية لموجة من الاكتشافات في المناطق السكنية الكثيفة، مما يفرض تحديات جديدة على علماء الآثار في الموازنة بين الحفاظ على التراث وحق السكان في التنمية.