تواصل محافظة مرسى مطروح إثبات أنها ليست مجرد وجهة صيفية للترفيه والاستجمام، بل تحمل في باطنها صفحات تاريخية عميقة تمتد عبر آلاف السنين، حيث كشفت الاكتشافات الأثرية الأخيرة عن كنوز جديدة تؤكد أن هذه المنطقة كانت مركزًا مهمًا للتجارة والتواصل الحضاري في البحر المتوسط عبر عصور مختلفة.
خلال الفترة الماضية، أعلنت وزارة السياحة والآثار عن اكتشافات أثرية جديدة بمنطقة زاوية أم الرخم (على بعد نحو 20 كيلومترًا غرب مدينة مرسى مطروح)، تضمنت العثور على مقابر أثرية، حمام روماني كامل، وعدد من التماثيل واللقى المتنوعة، في كشف يعيد رسم الصورة التاريخية للمنطقة ويؤكد قيمتها الأثرية الكبيرة.
وأوضح عدد من المختصين أن هذه الاكتشافات تعكس مكانة مطروح كمدينة قديمة لعبت دورًا محوريًا في حركة التجارة الخارجية، مما يمنحها أهمية خاصة على الخريطة السياحية والأثرية المصرية.
في هذا السياق، أكد الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدميري، مدير عام الآثار بمحافظة مطروح، أن الساحل الشمالي بشكل عام يتميز بوجود تلال أثرية كثيرة، أغلبها لم يخضع بعد للتنقيب الكامل، مشيرًا إلى أن طبيعة هذه المناطق تختلف عن غيرها، حيث لا توجد مبانٍ أثرية مرتفعة، إذ يتراوح ارتفاع الأبنية المكتشفة في الغالب بين 60 سم ومتر تقريبًا.
وأضاف أن منطقة أم الرخم تعد من أبرز وأهم المناطق الأثرية في مطروح، لأنها كانت تمثل مدينة سكنية متكاملة في العصر الفرعوني ثم اليوناني والروماني، وكانت تضم حصنًا ومعبدًا للملك رمسيس الثاني، وقد كان الرائد الأثري لبيب حبشي أول من اكتشف هذا الحصن عام 1942.
وأشار الدميري إلى أن الحصن كان شاهدًا على وجود نشاط عسكري وإداري قوي في تلك المنطقة، حيث عُثر داخله على تمثال الحاكم العسكري "نب رع" (المعروض حاليًا في معبد الأقصر)، إلى جانب عدد من اللوحات والأواني الفخارية التي توثق الحياة اليومية في تلك المرحلة.
وأضاف أن أم الرخم القديمة، والتي كان يطلق عليها اسم "أبس"، لم تكن مجرد موقع صغير بل كانت مدينة متكاملة، تضم معبدًا ومساكن ومعاصر ومقابر، وما زالت بقايا الحصن والمعبد قائمة حتى اليوم، في انتظار المزيد من أعمال الكشف والدراسة.
بيّن مدير عام آثار مطروح أن ما تم الإعلان عنه هو نتيجة مواسم متتالية من الحفائر قامت بها البعثة المصرية، حيث بدأت أعمال البحث أولًا في محيط المدينة السكنية، وأسفرت عن اكتشاف عدد من العملات واللقى الأثرية المختلفة، إضافة إلى العثور على حمام روماني مميز.
وأوضح أنه بجوار الحمام تم العثور على ثلاثة تماثيل أثرية تعود إلى القرن الأول الميلادي، من بينها:
تمثال رخامي لرجل يرتدي الزي الروماني المعروف باسم "التوجا" لكنه مفقود الرأس.
تمثال نصفي لسيدة مجهولة الهوية.
تمثال على هيئة كبش.
خلال العامين الماضيين، توسعت أعمال التنقيب داخل منطقة المقابر، حيث جرى العمل داخل مقبرتين كبيرتين تعودان إلى العصر الروماني، وتضمان دفنات غير محنطة.
وأسفرت أعمال الحفائر عن العثور على:
ألسنة ذهبية داخل بعض الهياكل العظمية – وهو أحد الطقوس الجنائزية المعروفة في العصر الروماني.
أوانٍ مستخدمة في مراسم الدفن، ومنها "المدامع الزجاجية" أو زجاجات الدموع، التي كانت تُستخدم لجمع دموع المشيعين أثناء مراسم الحزن.
أكد الدميري أن الحمام الروماني المكتشف يعد من أبرز ما توصلت إليه البعثة المصرية في الفترة الأخيرة، حيث تم الكشف عن أجزاء واضحة من بنيته، مثل:
الأحواض والقنوات المائية.
غرف الاستحمام.
صالات الاستقبال.
مقاعد الجلوس.
وهو ما يشير إلى وجود حياة اجتماعية منظمة ورفاهية واضحة داخل المدينة خلال العصر الروماني.
وأشار إلى أن أعمال التنقيب ستستمر خلال المواسم القادمة للكشف عن بقية عناصر الحمام وباقي معالم المدينة، خاصة أن المنطقة لا تزال تخفي المزيد من المفاجآت.
شدد مدير عام آثار مطروح على أن هذه الاكتشافات تضيف للمحافظة بُعدًا تاريخيًا جديدًا، وتجعلها مؤهلة للانضمام بقوة إلى خريطة السياحة الثقافية والأثرية، خاصة أن مطروح تستقبل أعدادًا ضخمة من الزائرين والمصطافين سنويًا.
وأوضح أن الحفائر استمرت من أكتوبر 2023 حتى مارس 2024، وتم إعداد التقارير العلمية اللازمة قبل الإعلان الرسمي عنها، كما وجه الشكر للأثريين والعمال المشاركين في الحفائر، مؤكدًا أن جميعهم من أبناء المحافظة.
من جانبها، أوضحت وزارة السياحة والآثار في بيان رسمي أن البعثة الأثرية المصرية (برئاسة الأستاذ قطب فوزي، رئيس الإدارة المركزية لآثار الوجه البحري وسيناء) نجحت في الكشف عن جبانة مدينة مرسى مطروح خلال العصر الروماني بمنطقة أم الرخم.
وأكد الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن هذا الكشف يعكس أهمية مدينة مرسى مطروح كمركز رئيسي للتجارة الخارجية في البحر المتوسط، ليس فقط خلال العصر الروماني، بل على مدار عصور تاريخية مختلفة.
وأشار البيان إلى أن البعثة اكتشفت:
مقبرتين منحوتتين في الصخر من طراز "الكتاكومب" (المعروف في العصر الروماني)، وتضمان 29 موضعًا للدفن.
موائد قرابين مزخرفة، وتماثيل متنوعة، وعملات برونزية.
حمامًا مكتمل العناصر المعمارية يضم صالات استقبال وغرف استحمام وخزانات وأماكن لتصريف المياه.
ومن جانبه، أوضح الدكتور أيمن عشماوي، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، أن المقبرتين المكتشفتين تحتويان على درج يؤدي إلى ردهة أمام حجرة الدفن، ثم إلى غرفة رئيسية مربعة الشكل ذات سقف مقبى، وبداخلها مواضع دفن منحوتة في الصخر كانت مغلقة بإحكام بسدادات من الحجر الجيري.
وأشار إلى أن موضع دفن صاحب المقبرة كان مغلقًا باب وهمي ترتكز جوانبه على عمودين دوريين بالنحت البارز، وفي المنتصف باب ذو ضلفتين يعلوه إفريز زخرفي، وأسفله مائدة قرابين من الحجر الجيري.
وأكدت الوزارة أن هذه الاكتشافات تأتي ضمن خطة دعم البعثات المصرية وزيادة الاهتمام بها للكشف عن المزيد من أسرار الحضارة المصرية في مختلف المحافظات.
في النهاية، تعكس هذه الاكتشافات أن مطروح ليست مجرد شاطئ جميل، بل تاريخ عظيم ما زال يخرج للنور تدريجيًا، ليضيف فصلًا جديدًا من فصول الحضارة المصرية التي لا تنتهي مفاجآتها.