يُعد العرش الذهبي الخاص بالملك توت عنخ آمون واحدًا من أبرز الكنوز الملكية التي تعكس عبقرية الفن في مصر القديمة، حيث عُثر عليه داخل المقبرة رقم KV62 في وادي الملوك ملفوفًا بالكتان في الغرفة الأمامية، ويُعرض اليوم داخل المتحف المصري الكبير باعتباره أحد أهم رموز الفن الملكي في التاريخ المصري.
صُنع العرش الذهبي من الخشب المحلي مثل الجميز أو السنط، بينما تشير التحاليل إلى استخدام خشب الأرز المستورد في بعض أجزائه مثل القاعدة والأرجل، ما يعكس مكانة الملك. وقد تم تغطيته بالكامل برقائق من الذهب وتطعيمه بأحجار كريمة مثل اللازورد والعقيق والكوارتز والعاج، إلى جانب الزجاج والفاينس، ليشكل تحفة فنية استثنائية.
يبلغ ارتفاع العرش الذهبي نحو 103.5 سم، وعرضه حوالي 59 سم، وطوله 73 سم، ويتميز بتصميم هندسي دقيق يوفر الراحة للجالس عليه، ما يعكس فهم المصري القديم للهندسة الوظيفية إلى جانب البراعة الفنية.
يتزين العرش بعدد من الرموز المهمة في الحضارة المصرية القديمة، حيث شُكِّل ذراعا الكرسي على هيئة الصل الملكي (الكوبرا المجنحة) حاملاً بين جناحيه خرطوش الملك، الذي يرمز للحماية والقوة. كما تظهر رؤوس الأسود التي تعبر عن القوة، إضافة إلى رمز سما تاوي الذي يمثل وحدة مصر العليا والسفلى واستقرار الحكم.
تُظهر الزخارف على مسند الظهر مشهدًا إنسانيًا نادرًا يجمع بين الملك توت عنخ آمون وزوجته الملكة عنخ إسن آمون تحت مظلة من الأزهار، حيث تقوم بتطييب كتفه بالزيوت المقدسة. ويظهر الملك مرتديًا التاج الأزرق، بينما تتدلى أشعة الشمس (آتون) لتخترق المظلة، في إشارة إلى الدعم الإلهي والشرعية الملكية.
تشير النقوش إلى اسم التتويج الخاص بالملك، ما يدل على أن العرش صُنع بعد توليه الحكم، وتحديدًا في بداية فترة حكمه. كما كشفت أعمال الترميم عن آثار احتراق في بعض أجزائه، يُعتقد أنها نتجت عن طقوس جنائزية. وقد أظهرت الفتحات أسفل القاعدة أنه ربما استخدم داخل القصر الملكي أثناء حياة الملك، مما يجعله شاهدًا مهمًا على الحياة اليومية داخل القصر الملكي، وليس مجرد قطعة جنائزية.
يمثل العرش الذهبي مثالًا واضحًا على مهارة الحرفيين في مصر القديمة وقدرتهم على الجمع بين الجمال والدقة والرمزية. ولا يزال حتى اليوم يثير إعجاب الزوار من مختلف أنحاء العالم، بوصفه رمزًا لحضارة خالدة ما زالت تبهر العالم، ويعرض ضمن المجموعة الكاملة لمقتنيات الملك الذهبي التي تُعرض لأول مرة تحت سقف واحد داخل المتحف المصري الكبير.