في قلب هضبة الجيزة، إلى الجنوب من الهرم الأكبر، كُشف النقاب عن واحدة من أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين، وهو مركب خوفو الشمسي، أقدم وأضخم مركب خشبي معروف في تاريخ البشرية، ما يعكس عظمة الحضارة المصرية القديمة وتقدمها العلمي والهندسي.
يعود المركب إلى عصر الأسرة الرابعة نحو عام 2500 قبل الميلاد، وقد تم اكتشافه عام 1954 على يد المهندس الأثري كمال الملاخ، حيث وُجد مفككًا داخل حفرة محكمة الإغلاق. هذا الاكتشاف اعتُبر إنجازًا أثريًا عالميًا، حيث لم يكن مجرد قطعة أثرية، بل وثيقة تاريخية تعكس المعتقدات الدينية وتطور علوم بناء السفن في مصر القديمة.
تم العثور على المركب مفككًا إلى 1224 قطعة خشبية، موضوعة بعناية داخل حفرة مغطاة بكتل حجرية ضخمة، وقد ساهم هذا العزل في الحفاظ عليه لأكثر من 4600 عام في حالة فريدة.
يبلغ طول المركب نحو 42.32 مترًا وعرضه حوالي 5.9 متر، وصُنع من خشب الأرز اللبناني، إلى جانب أنواع أخرى من الأخشاب. وتم تجميعه باستخدام تقنية التعشيق والربط بالحبال دون استخدام مسامير معدنية، ما يعكس تقدمًا كبيرًا في الهندسة البحرية لدى المصريين القدماء.
يرجّح علماء الآثار أن المركب كان جنائزيًا مخصصًا للملك خوفو، ليستخدمه في رحلته الرمزية مع معبود الشمس رع، وفقًا للمعتقدات الدينية التي ربطت بين الملك والخلود والحياة بعد الموت.
استغرقت عملية ترميم وتجميع المركب نحو 25 عامًا، تحت إشراف الخبير المصري أحمد يوسف مصطفى، الذي نجح في إعادة تركيبه بدقة علمية، ليظهر في شكله الكامل كأحد أعظم إنجازات الترميم الأثري.
في أغسطس 2021، تم نقل المركب كقطعة واحدة باستخدام تقنيات حديثة، حيث قطعت مسافة 8 كيلومترات من موقعه بجوار الهرم الأكبر إلى المتحف المصري الكبير، في عملية أثارت اهتمامًا عالميًا وأكدت تطور أساليب الحفاظ على الآثار.
كشفت الحفريات عن وجود حفرة ثانية يُعتقد أنها تحتوي على مركب آخر، وتجري حاليًا أعمال التوثيق والترميم، حيث بدأ استخراج القطع الخشبية للمركب الثاني في عام 2014، وسيتمكن الزوار من مشاهدة عملية ترميمه وإعادة تركيبه كجزء من العرض المتحفي التفاعلي.
يبقى مركب خوفو الشمسي شاهدًا حيًا على عبقرية المصري القديم، ودليلًا على أن الحضارة المصرية لم تبنِ للماضي فقط، بل للخلود، مؤكدة أن الإبداع الإنساني قادر على تجاوز حدود الزمن.