في 23 ديسمبر 2025، وسط تغطية إعلامية محلية ودولية واسعة، شهد وزير السياحة والآثار شريف فتحي، بمرافقة الدكتور أحمد غنيم الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف المصري الكبير، وممثلة الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (الجايكا)، أعمال تثبيت أول قطعة خشبية من ألواح مركب الملك خوفو الثانية التي تم ترميمها، على الهيكل الخشبي المُعد خصيصًا، إيذانًا ببدء المرحلة الأهم من مشروع إعادة تركيب المركب داخل متحف مراكب خوفو بالمتحف المصري الكبير.
أكد وزير السياحة والآثار أن ما نشهده اليوم لا يقتصر على إعادة تركيب لمركب أثري، بل يُمثّل إحياءً حقيقيًا لفصل بالغ الأهمية من عبقرية المصري القديم، ويُعد أحد أهم وأضخم مشروعات ترميم الآثار في القرن الـ21، لما يحمله من قيمة تاريخية وإنسانية استثنائية.
يبلغ طول مركب خوفو الثانية نحو 42 مترًا، ويتكون من حوالي 1650 قطعة خشبية موزعة على 13 طبقة. صُنع المركب من خشب الأرز اللبناني، وهو أقدم وأكبر أثر عضوي معروف في تاريخ البشرية.
تم استخدام تقنيات حديثة في التوثيق والترميم مثل التصوير ثلاثي الأبعاد والمسح الهندسي، بما يضمن الدقة في إعادة البناء. عولجت ألواح المركب ومجاديفه الخشبية باستخدام مواد عضوية متطورة مثل النانو سليلوز وكلوسيل إي لتدعيم الخشب المتحلل وتثبيته وحمايته.
يتيح المشروع للزوار متابعة مراحل الترميم وإعادة التركيب بشكل مباشر، حيث يمكن مشاهدة المركب وهي تُعاد إلى شكلها الأصلي خطوة بخطوة، مما يجعل التجربة داخل المتحف أكثر تفاعلية وتعليمية.
أكد الدكتور أحمد غنيم أن هذه التجربة تمثل نقلة نوعية في مفاهيم العرض المتحفي الحديثة، حيث تروي أعمال الترميم قصة علمية وإنسانية طويلة بدأت منذ اكتشاف المركب، مرورًا بمراحل دقيقة من الدراسة والتوثيق والترميم، وصولًا إلى إعادة تركيبها وفق أسس علمية مدروسة. من المتوقع أن تستغرق عملية التجميع بالكامل نحو 4 سنوات.
يعكس مشروع مركب خوفو الثانية مستوى التقدم الذي وصل إليه المصري القديم في مجالات الهندسة وصناعة السفن، حيث تم تجميعه باستخدام تقنية التعشيق والربط بالحبال دون استخدام مسامير معدنية. يرجّح علماء الآثار أن المركب كان جنائزيًا مخصصًا للملك خوفو، ليستخدمه في رحلته الرمزية مع معبود الشمس رع وفقًا للمعتقدات الدينية.
يساهم المشروع في دعم السياحة الثقافية في مصر من خلال جذب فئات جديدة من الزوار المهتمين بالآثار والتاريخ، حيث لا يقتصر العرض على مشاهدة القطعة الأثرية، بل يشمل تجربة حية لعملية إعادة الإحياء والترميم. يُعد المشروع نموذجًا للتعاون الدولي في صون التراث، ويعزز قدرة مصر على إدارة مشاريع ترميم ضخمة ومعقدة، ويقدم تجربة تعليمية تفاعلية تجعل الزائر جزءًا من الحدث التاريخي.