شهدت محافظة جنوب سيناء اكتشاف موقع أثري جديد يضيف أكثر من 10 آلاف سنة من الفن الصخري القديم، في خطوة مهمة تعكس ثراء التراث الحضاري المصري.
ويأتي هذا الاكتشاف في وقت تشهد فيه مصر اهتمامًا متزايدًا بالكشف عن مواقع أثرية جديدة، في إطار جهود الدولة لإبراز القيمة التاريخية والحضارية لمختلف المناطق، خاصة شبه جزيرة سيناء التي تُعد من المناطق الواعدة أثريًا.
أوضحت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، والعاملة في جنوب سيناء، أنها تمكنت من الكشف عن أحد أهم المواقع الأثرية الجديدة ذات القيمة التاريخية والاستثنائية، والذي يُعرف باسم "هضبة أم عِراك".
ويأتي هذا الاكتشاف في إطار أعمال المسح والتوثيق الأثري للنقوش الصخرية بجنوب سيناء.
وخلال أعمال المسح العلمي للنقوش الصخرية، قام الشيخ ربيع بركات، أحد أبناء منطقة سرابيط الخادم بسيناء، بإرشاد البعثة إلى موقع الاكتشاف، وهو ما يعكس تعاون أبناء سيناء في دعم جهود الدولة للحفاظ على التراث الثقافي.
وتمكنت البعثة من توثيق الموقع بالكامل، حيث يضم مأوى صخريًا طبيعيًا مكونًا من الحجر الرملي، يبلغ طوله نحو 100 متر، ويتراوح عمقه بين مترين وثلاثة أمتار، مع ارتفاع سقف متدرج يتراوح بين متر ونصف إلى نصف متر، ويمتد على الجانب الشرقي للهضبة.
ويُعد هذا المأوى الصخري من النماذج الفريدة للفن الصخري القديم، حيث يعكس أسلوب حياة الإنسان القديم، ويوثق الأنشطة اليومية مثل الصيد والتفاعل مع البيئة المحيطة، مما يمنح الباحثين فرصة لفهم طبيعة الحياة في تلك الفترات التاريخية المبكرة.
ويحتوي سقف المأوى الصخري على عدد كبير من الرسومات التي تم تنفيذها باستخدام المداد الأحمر، وتشمل مناظر طبيعية لحيوانات ورموز مختلفة لا تزال قيد الدراسة، إلى جانب مجموعات أخرى من الرسومات التي تم تنفيذها باللون الرمادي، والتي تم توثيقها لأول مرة.
كما يضم الموقع عددًا من النقوش والمناظر المنفذة بأساليب وتقنيات متعددة، مما يعكس ثراءً فنيًا وتنوعًا حضاريًا فريدًا.
كما تشير هذه الرسومات إلى تطور التعبير الفني لدى الإنسان القديم، واستخدامه للألوان والرموز في تسجيل أحداث حياته، وهو ما يعكس مستوى من الوعي والثقافة في تلك العصور.
كما أسفرت أعمال المسح الأثري عن العثور على بعض الأدوات الصوانية، بالإضافة إلى عدد كبير من كسرات الفخار.
ويرجع تاريخ بعض هذه الاكتشافات إلى عصر الدولة الوسطى، بينما يعود البعض الآخر إلى العصر الروماني، وتحديدًا إلى القرن الثالث الميلادي، وهو ما يؤكد استخدام هذا الموقع على مدار آلاف السنين.
وتُعد هذه الأدوات الصوانية وكسرات الفخار دليلًا ماديًا مهمًا على استمرار النشاط البشري في الموقع عبر عصور مختلفة، وهو ما يعزز من القيمة الأثرية والعلمية لهذا الاكتشاف.
وفي إطار أعمال المسح، تم توثيق مجموعة من الكتابات المنفذة باللغة العربية، والتي تمثل شاهدًا مهمًا على استمرار استخدام الموقع خلال الفترات الإسلامية وما تلاها.
ويرى خبراء الآثار أن مثل هذه الاكتشافات تسهم بشكل كبير في دعم السياحة الثقافية في مصر، خاصة في المناطق غير التقليدية، مما يفتح آفاقًا جديدة أمام الزوار لاكتشاف تاريخ مصر الممتد عبر آلاف السنين.
ويُعد هذا الاكتشاف إضافة نوعية مهمة إلى خريطة الآثار المصرية، حيث يعكس ما تزخر به أرض سيناء من ثراء إنساني وحضاري فريد، كما يمثل دليلًا جديدًا على تعاقب الحضارات على هذه البقعة المباركة من أرض مصر عبر آلاف السنين.
كما يعزز هذا الكشف من مكانة سيناء كمنطقة ذات أهمية تاريخية وحضارية كبيرة، ويؤكد أن أرضها لا تزال تخبئ العديد من الأسرار التي تنتظر الكشف عنها في المستقبل.