يعد المتحف القومي للحضارة المصرية (NMEC) أول متحف من نوعه في مصر والعالم العربي، إذ يعتبر مجمعا حضاريا عالميا متكاملا يتيح لزائريه فرصة الإبحار في رحلة عبر الزمن للتعرف على الحضارات المصرية المتعاقبة.
يعود تاريخ فكرة إنشائه إلى عام 1982 عندما أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عن حملة دولية لإنشاء متحفين في مصر: متحف النوبة بأسوان و المتحف القومي للحضارة المصرية بالقاهرة. في يناير 1983 تم توقيع اتفاقية إنشاء كلا المتحفين، وفي مايو 1985 فاز مشروع المهندس الدكتور الغزالي كسيبة بأفضل تصميم معماري للمتحف.
تم وضع حجر الأساس عام 2002 في قلب مدينة الفسطاط، أول وأقدم العواصم الإسلامية في أفريقيا. صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2796 لسنة 2016 بإنشاء المتحف، والقانون رقم 10 لسنة 2020 بتنظيم هيئة المتحف كهيئة عامة اقتصادية يرأس مجلس أمنائها فخامة رئيس الجمهورية.
تم الافتتاح الرسمي لقاعة العرض المركزية في 2021، واستقبل المتحف في موكب مهيب شهده العالم في 3 أبريل 2021 المومياوات الملكية التي انتقلت من المتحف المصري بالتحرير. يمتد تاريخ القطع المعروضة من عصور ما قبل التاريخ حتى العصر المعاصر، مما يجعله النافذة الأشمل لفهم الحضارة المصرية ككتلة واحدة متصلة غير منقطعة.
من أقدم الهياكل البشرية إلى مومياء رمسيس الثاني العظيم.. رحلة في 120 ألف قطعة تحكي ملحمة الحضارة المصرية
يحتضن المتحف القومي للحضارة المصرية أكثر من 120 ألف قطعة أثرية، تمثل ثراء وتنوع الحضارة المصرية من عصور ما قبل التاريخ إلى يومنا هذا. يعرض في قاعاته الأساسية نحو 1600 قطعة مختارة بعناية، فيما يظل باقي الكنوز محفوظا في مخازن ومستودعات المتحف لاستخدامها في الأبحاث والدراسات.
قاعة المومياوات الملكية (جوهرة المتحف وأهم قاعاته): تعتبر القاعة التي صممت خصيصا لعرض المومياوات الملكية أهم ما ينفرد به المتحف، حيث تم تهيئة الأجواء لتشبه أجواء وادي الملوك حيث عثر على هذه المومياوات وبشكل يليق بمكانتهم. تعرض القاعة 20 مومياء ملكية (18 ملكا وملكتان)، تعود إلى ملوك وملكات من الأسرات السابعة عشر حتى الأسرة العشرين.
من بين أشهرهم وأكثرهم شهرة:
مومياء الملك رمسيس الثاني: أعظم فراعنة مصر وأكثرهم شهرة، صاحب آثار عظيمة مثل معبدي أبو سمبل، وهو الذي ورد ذكره في الكتب السماانية.
مومياء الملك سقنن رع تاعا الثاني: الملك الذي استشهد في ميدان المعركة دفاعا عن بلاده ضد الهكسوس، وجسده يحمل آثار الضربات التي قضت عليه.
مومياء الملك تحتمس الثالث: الملقب بنابليون الشرق، أعظم القادة العسكريين في التاريخ المصري القديم، الذي وسع حدود مصر حتى نهر الفرات.
مومياء الملكة حتشبسوت: أعظم ملكات مصر حكمة وجبروتا، حكمت مصر في عصر ازدهار.
مومياء الملك سيتي الأول: والد رمسيس الثاني، أحد أعظم ملوك الأسرة التاسعة عشرة.
مومياء الملك رمسيس الثالث: آخر ملوك الأسرة العشرين العظام، قاد معارك بحرية لحماية مصر من غزوات شعوب البحر.
مومياء الملكة أحمس نفرتاري: أعظم ملكات الأسرة الثامنة عشرة، زوجة أحمس الأول وشريكته في الحكم، حظيت بتقدير ديني كبير بعد وفاتها.
القطع الأثرية في قاعة المومياوات الملكية إلى جانب المومياوات نفسها تعرض القاعة عددا من القطع الجنائزية المصاحبة لها:
التابوت الخارجي للملكة أحمس نفرتاري: تابوت رائع كان يحتضن مومياء الملكة العظيمة.
مومياء الملك أمنحتب الأول: واحدة من المومياوات القليلة جدا السليمة تماما، تزينها تنسيقات زهور معقدة لا تزال باقية حتى اليوم مع بقاء قناع المومياء في مكانه.
تابوت الملك تحتمس الأول: تابوت مزين بآثار زخارفه الذهبية التي كانت تتألق بكل مجدها.
الصندوق الكانوبي للملك أمنحتب الثاني: كان يحمل الأواني الكانوبية المقدسة التي تحتوي على الأعضاء الداخلية للملك.
الأواني الكانوبية للملك تحتمس الرابع: أواني خزفية رائعة كانت جزءا من الأثاث الجنائزي للملك العظيم.
قاعة العرض المركزية (قصة الحضارة المصرية المتصلة): تعرض القاعة المركزية أكثر من 1600 قطعة أثرية تم اختيارها بعناية لإلقاء الضوء على التراث المادي وغير المادي لمصر، وتنقسم إلى ستة محاور رئيسية تغطي الحضارة المصرية من عصور ما قبل التاريخ حتى العصر الحديث:
محور فجر الضمير (عصور ما قبل التاريخ): يعرض أقدم القطع الأثرية في المتحف، وأهمها:
هيكل عظمي بشري يعود إلى أكثر من 35 ألف عام، وهو من أقدم بقايا الإنسان العاقل الحديث في شمال أفريقيا.
أدوات حجرية من العصر الحجري الحديث تعكس تطور الإنسان على ضفاف نهر النيل.
أواني فخارية وزخرفية تعود إلى بدايات الاستقرار البشري.
محور عصر بناة الأهرام (الدولة القديمة): يسلط الضوء على فترة حكم ملوك الأسرات الثالثة والرابعة والخامسة، وتشمل القطع:
تمثال الملك خفرع: منحوت من حجر الديوريت الأسود، يرمز لعبقرية مهندسي الدولة القديمة.
نماذج مصغرة لمراكب خشبية استخدمت في طقوس الدفن.
أوزان ومكاييل وأدوات كانت تستخدم في الحياة اليومية والسوق.
محور عصر الازدهار (الدولة الوسطى وعهد الاضمحلال الأول): يعرض قطعا من فترة ازدهار الثقافة والفن، من بينها:
تمثال الملك سنوسرت الأول: من الحجر الجيري الأبيض، يعكس هدوء وثقة الملوك في تلك الفترة.
تماثيل أوشبتي: مئات التماثيل الصغيرة التي كانت توضع في المقابر لخدمة المتوفى في العالم الآخر.
حلي ومجوهرات من الذهب واللازورد والفيروز.
محور الإمبراطورية المصرية (الدولة الحديثة): يتناول فترة عودة بناء الإمبراطورية في عصر الرعامسة، من بين أبرزها:
تمثال الملك رمسيس الثاني: من الجرانيت الوردي، صغير الحجم لكن بالغ الدقة، يظهر الملك شابا قويا.
لوحة أخناتون ونفرتيتي: نقش بارز يجسد الثورة الدينية والفنية في العصر الأمارني.
بردية الكاهن خونسو: أطول بردية محفوظة في العالم، تعود إلى العصر المتأخر وتصور رحلة الخلود عند المصري القديم.
محور العصر المتأخر والبطلمي والروماني: يعرض قطعا من فترة الحكم الفارسي والبطلمي والروماني لمصر، من بينها:
تماثيل برونزية للآلهة المصرية (أوزوريس، إيزيس، حورس، أنوبيس، تحوت) من البرونز والأحجار الكريمة.
أقنعة جنائزية من الذهب والمرمر من العصر البطلمي.
عملات معدنية ذهبية وفضية وبرونزية من العصرين اليوناني والروماني.
محور مصر القبطية والإسلامية والحديثة: يضم قطعا من العصر القبطي والعصر الإسلامي وحتى العصر الحديث، من بينها:
أيقونات قبطية نادرة.
أواني فخارية وزجاجية إسلامية.
مشغولات نحاسية وفضية من العصر المملوكي والعثماني.
أزياء ومجوهرات من العصر الحديث لزعماء مصر.
متحف الوسائط التكنولوجية: يدمج قاعات العرض بين القطع الأثرية الأصلية وأحدث تقنيات العرض الرقمي، حيث تم تجهيز القاعة المركزية بشاشات عرض رقمية تفاعلية تعزز تفاعل الجمهور مع المقتنيات وتوفر أكبر قدر ممكن من المعلومات حول القطع المعروضة.
الحدائق والمتحف المفتوح: حدائق المتحف تمتد على مساحة واسعة وتطل على بحيرة عين الصيرة، وتحتوي على منحوتات ونماذج أثرية معروضة في الهواء الطلق، مما يتيح للزائر فرصة للاسترخاء والتنزه والتمتع بإطلالة بانورامية على منطقة الفسطاط القديمة.
استعد مسبقا: خصص من ساعتين إلى 3 ساعات للزيارة على الأقل، حيث يجمع المتحف بين قاعة المومياوات الملكية (جوهرة المتحف) و قاعة العرض المركزية الشاملة (المعروضات اليومية لكل العصور). يفضل زيارة قاعة المومياوات أولا في بداية جولتك (لأن الجو فيها أكثر هدوءا) ثم الانتقال إلى القاعة المركزية.
التصوير: مسموح بالتصوير الشخصي بدون فلاش في جميع أنحاء المتحف باستخدام الهاتف المحمول مجانا. لكن ممنوع تماما التصوير داخل قاعة المومياوات الملكية (التصوير ممنوع نهائيا في هذه القاعة لأسباب دينية واحترامية وعلمية). المعدات الاحترافية (كاميرات ريبورتاج وحوامل ثلاثية) تحتاج تصريحا خاصا.
اللبس المناسب: المتحف مؤسسة ثقافية وتعليمية، لذا فاللبس المحتشم (يغطي الكتفين والركبتين) مطلوب للدخول. يحظر خلع الأحذية أو النوم على المقاعد أو الجري داخل القاعات.
كيف تصل؟ أفضل وسيلة: المترو (محطة مارجرجس – الخط الأول) محطة تحمل اسم القديس مارجرجس، تليها الكنيسة المعلقة والمتحف القبطي، ثم انزل من المحطة وخذ تاكسي قصير إلى المتحف. يمكنك أيضا استخدام أوبر أو تاكسي من أي مكان في القاهرة، وحدد الوجهة "National Museum of Egyptian Civilization".
جولة إرشادية: يمكنك الاعتماد على اللوحات الإرشادية في كل قاعة (العربية والإنجليزية). يستحق المرشدون المتخصصون إذا كنت في مجموعة (اتصل مسبقا عبر الموقع الرسمي لترتيب جولة إرشادية). تتوفر أيضا قاعة بصرية تحتوي على شاشات تفاعلية تقدم معلومات فيلمية.
دمج الزيارات: المتحف في موقع ممتاز بمنطقة مصر القديمة، يمكنك عمل يوم سياحي ثري: تبدأ بـ المتحف القومي للحضارة المصرية (ساعتين)، ثم تنتقل إلى الكنيسة المعلقة و المتحف القبطي و كنيسة أبو سرجة و معبد بن عزرا (كلها على بعد 5 دقائق بالسيارة)، ثم تختتم اليوم بزيارة حصن بابليون الروماني والخروج لتناول الطعام في أحد مطاعم مصر القديمة الشعبية.
تجنب الزحام: المتحف مفتوح طوال أيام الأسبوع، لكن أيام الجمع قد تشهد إقبالا في الفترة المسائية. الأقل ازدحاما صباح الأحد إلى الأربعاء. يفضل الوصول صباحا عند الافتتاح الساعة 9:00 صباحا لتكون الإضاءة الطبيعية في القاعة المركزية مثالية للتصوير، وحرارة الشمس في الحديقة معتدلة.
مكان للأكل: توجد كافيتيريا وخدمات بسيطة داخل المتحف (منطقة الانتظار والحدائق)، لكن الخيار الأوسع هو منطقة مصر القديمة القريبة التي تضم أشهر مطاعم الكشري والفلافل والمشاوي في القاهرة. يمكنك تناول الغداء بعد الزيارة في أحد المطاعم الشعبية على النيل القريب (مثل مطعم أبو السيد في مصر القديمة).