يعد المتحف المصري بالتحرير (EMC) أقدم متحف أثري في الشرق الأوسط وأحد أعرق المتاحف العالمية المتخصصة في الآثار المصرية القديمة. افتتح رسميا في 15 نوفمبر 1902، وتم بناؤه في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، وصممه المهندس المعماري الفرنسي مارسيل دورنيون (Marcel Dourgnon) على الطراز الكلاسيكي الجديد (Neo-classical) الذي كان سائدا في أوروبا في مطلع القرن العشرين .
اسمه الهندسي الكامل هو "المتحف المصري للآثار المصرية القديمة" . صمم المبنى على شكل البازيليكا الرومانية (صحن طويل بإضاءة علوية طبيعية)، بواجهة ضخمة من الحجر الجيري الوردي الفاتح، وبهو رئيسي ضخم يشبه قصور عصر النهضة الأوروبية مع لمسات مصرية فرعونية في الزخارف والنوافذ. تبلغ مساحته حوالي 15 ألف متر مربع، موزعة على طابقين رئيسيين، ويضم أكثر من 170 ألف قطعة أثرية، تغطي فترات زمنية تمتد من عصور ما قبل التاريخ (700,000 سنة قبل الميلاد) حتى العصر الروماني (حوالي 394 ميلاديا) .
يعود تاريخ فكرة إنشائه إلى عام 1835 عندما أمر محمد علي باشا بإنشاء أول متحف للآثار المصرية في منطقة الأزبكية، ثم نقلت المقتنيات إلى قاعة العرض بالقلعة في عهد الخديوي إسماعيل، وأخيرا استقر في المبنى الحالي بميدان التحرير بأمر الخديوي عباس حلمي الثاني وبإشراف عالم المصريات الفرنسي جاستون ماسبيرو . مر المبنى بعمليات ترميم وتوسعة عدة مرات (آخرها في عام 2007) ، وظل هو المتحف الرسمي للحكومة المصرية حتى افتتاح المتحف المصري الكبير عام 2025 .
يمثل المبنى حاليا آخر الأصول الثابتة من العصر الذهبي لعلم المصريات، إذ استقرت فيه عقود طويلة أهم اكتشافات الحضارة القديمة (مقبرة توت عنخ آمون – مقبرة الملكة حتشبسوت – مقبرة أمنحتب الثاني). لكن اليوم، وبعد نقل 163 قطعة من كنوز توت عنخ آمون في 2025، ونقل 22 مومياء ملكية في موكب المومياوات الملكية الشهير عام 2021، لا يزال المتحف يضم كنوزا لا تقدر بثمن تشهد على عظمة الحضارة المصرية.
من قناع توت عنخ آمون الذهبي الأسطوري إلى تمثال خفرع العظيم.. 170 ألف قطعة تحكي قصة أمة
يحتضن المتحف المصري بالتحرير مجموعة نادرة وفريدة تجعله أحد أهم المتاحف العالمية للآثار المصرية القديمة. تتوزع المقتنيات على طابقين رئيسيين، ويقدر إجماليها بـ أكثر من 170 ألف قطعة، منها أكثر من 120 ألف قطعة في المخازن المغلقة بالنظام القديم، ونحو 50 ألف قطعة معروضة . تمثل هذه المقتنيات من عصر ما قبل التاريخ (700,000 سنة قبل الميلاد) حتى العصر الروماني (حوالي 394 ميلاديا) . إليك أبرز المقتنيات:
الطابق الأرضي (قاعة العرض الزمني والتماثيل الضخمة) : يمتد الطابق الأرضي على محور واحد طويل (صحن البازيليكا) ويعرض القطع بترتيب زمني تصاعديا، بدءا من عصور ما قبل التاريخ (الحضارة المصرية المبكرة – 700,000 ق.م)، ثم الدولة القديمة (الأسرات 3-6 – 2686-2181 ق.م)، ثم الدولة الوسطى (الأسرات 11-14 – 2055-1650 ق.م)، ثم الدولة الحديثة (الأسرات 18-20 – 1550-1069 ق.م)، وانتهاء بـ العصر المتأخر واليوناني الروماني. من أبرز القطع في هذا الطابق:
تمثال الملك خفرع من الديوريت الأسود (الدولة القديمة – الأسرة الرابعة – حوالي 2570 قبل الميلاد): أروع تمثال للفرعون الذي بنى الهرم الأوسط في الجيزة، مصنوع من حجر الديوريت الأسود الصلد، يجسد الملك جالسا على العرش وخلفه الإله حورس (صقر) يحمي رأسه بأجنحته. هذا التمثال من أروع وأهم قطع المتحف الفنية والنحتية في العالم .
تمثال الملك زوسر الجالس (الدولة القديمة – الأسرة الثالثة – حوالي 2670 قبل الميلاد): تمثال للملك زوسر صاحب هرم سقارة المدرج (أول هرم في التاريخ)، مصنوع من الحجر الجيري الملون، يظهر الملك في رداء طقسي وغطاء رأس خاص، يشير إلى بداية عصر بناء الأهرامات .
تمثال الكاتب الجالس (الدولة القديمة – الأسرة الرابعة – حوالي 2500 قبل الميلاد): من أجمل التماثيل الواقعية في الفن المصري القديم، يصور الكاتب "كاي" في وضع الكتابة، بعيون مرصعة بالكريستال والنحاس، يبرز العضلات والأرداف والتفاصيل البشرية الدقيقة .
لوحة نارمر الملكية (عصر ما قبل الأسرات – حوالي 3100 قبل الميلاد): لوحة تاريخية فريدة تمثل أول توحيد لمصر العليا والسفلى على يد الملك نارمر (المؤسس الأسطوري للأسرة الأولى)، منحوتة على الحجر الأخضر الداكن، تظهر في وجهها مشاهد الانتصار والاستيلاء على الشمال .
التماثيل الضخمة (كولوسي): مجموعة من التماثيل الملكية الضخمة المنتشرة في البهو العظيم والردهات الجانبية: منها تمثال ضخم للملك أمنحتب الثالث برفقة زوجته الملكة تيي (من الجرانيت الوردي) ، تمثال الملك رمسيس الثاني (من الجرانيت الأسود)، وتمثال للملكة حتشبسوت (من الحجر الجيري الأبيض) تظهر فيها بالزي الملكي الكامل .
الطابق الأول (قاعات العرض الموضوعية - كنوز توت عنخ آمون) : تعرض في هذا الطابق مجموعات متخصصة حسب الموضوع وليس التسلسل الزمني. أشهرها قاعة الفرعون الذهبي (King Tut Hall) : بعد نقل 163 قطعة إلى المتحف المصري الكبير عام 2025 ، لا تزال أهم 26 قطعة في المتحف الأصلي، تشمل:
القناع الذهبي للملك توت عنخ آمون (أيقونة المتحف الأهم والأشهر في العالم): قناع الدفن المذهل من الذهب الخالص واللازورد والأحجار الكريمة، كان يغطي رأس المومياء. يزن حوالي 11 كيلوغراما، ويعكس أرقى مستويات الصناعة الذهبية والجواهرية في مصر القديمة .
التابوت الذهبي الداخلي للملك: أصغر التوابيت الثلاثة المتداخلة، مصنوع من الذهب الخالص بسمك 2.5-3 مم، ويصور الملك على هيئة الإله أوزوريس بالشكل الآدمي، ويزن حوالي 110 كيلوغرامات .
التابوت الخشبي المذهب: التابوت الخشبي الخارجي المطلي بالذهب، وكان يحوي التابوت الذهبي الداخلي .
السيف الذهبي والخنجر: خنجر بمقبض ذهبي مرصع بالجواهر، ومجموعة من الأساور الذهبية وأساور الكاحل والقلائد والديكورات الاحتفالية .
العربة الذهبية الاحتفالية: عربة احتفالية مصفحة بالذهب، كان يستخدمها توت عنخ آمون في المواكب والاحتفالات الدينية .
الأثاث الجنائزي والديني: مجموعة من الأسرة المذهبة والكراسي والصناديق المطعمة بالأحجار الكريمة والمرصعة بمشاهد الملك والملكة .
قاعة كنوز تانيس (الطابق الأول – غربا): على الجانب الآخر من الطابق الأول، تعرض قاعة كنوز تانيس مجموعة من القطع الذهبية من مقابر ملوك الأسرة 21 و22 (عُثر عليها في تانيس شمال مصر). أشهرها:
القناع الجنائزي الذهبي للملك بسوسنس الأول: من الذهب الخالص مع أحجار شبه كريمة (لازورد – الفيروز – الجمشت)، يعتبر من أروع ما أنتجته الصناعة الذهبية في العصر المتأخر .
التمائم والأساور الذهبية: مجموعة من الحلي الذهبية الملكية التي كانت توضع على المومياوات مباشرة.
قاعة يويا وتويا (الممر الشمالي): تعرض مقتنيات قبر يويا وتويا (جدا توت عنخ آمون من أمه)، المقبرة التي اكتشفت في البر الغربي بالأقصر عام 1905. تضم الكراسي المذهبة، والعربات الحربية، والأسرة الجنائزية المطعمة بالذهب والعاج، والتمائم والأواني الألبسترية الفاخرة.
قاعة المومياوات الملكية (سابقة - نقلت إلى المتحف القومي للحضارة المصرية): في 3 أبريل 2021، جرت احتفالية موكب المومياوات الملكية الأسطورية، حيث انتقلت 22 مومياء ملكية (18 ملكا وأربع ملكات) من المتحف المصري بالتحرير إلى المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط. تضمنت الموكب مومياوات ملوك عظماء مثل رمسيس الثاني، سقنن رع تاعا الثاني، تحتمس الثالث، سيتي الأول، رمسيس الثالث، أمنحتب الأول، والملكات حتشبسوت، أحمس نفرتاري، ميريت آمون، تيي، وغيرهم . كان هذا الموكب أحد أكبر الأحداث الثقافية في تاريخ مصر الحديث، حيث تم نقل المومياوات في سيارات مصفحة تشبه المركبات الملكية القديمة، مع حراسة عسكرية وموسيقى عسكرية، في موكب مهيب شهده العالم عبر التلفزيون .
كنوز أخرى تستحق الوقت:
برديات ومخطوطات نادرة: مجموعة من أقدم ورق البردي المحفوظ، منها بردية إيبرس الطبية الشهيرة (أقدم وثيقة طبية في التاريخ) .
قاعة الصلايات (Palettes): مجموعة من أقدم النقوش الحجرية في التاريخ (عصر ما قبل الأسرات)، تعكس بدايات الفن والنظام الملكي.
مجوهرات الملكة حتشبسوت: عقود وأسوار وخواتم وقلائد وأساور من الذهب والأحجار الكريمة التي كانت ملكة مصر العظيمة.
نماذج المراكب الخشبية (نموذج القارب الجنائزي): مجموعة من نماذج المراكب الخشبية التي كانت توضع في المقابر لنقل الأموات في العالم الآخر.
التماثيل البرونزية للآلهة: مجموعة من تماثيل أوزوريس وإيزيس وحورس وأنوبيس وتحوت من البرونز والأحجار الكريمة (العصر المتأخر).
خطط مسارك قبل الدخول: المتحف يتكون من طابقين. الأفضل البدء بالطابق الأرضي (لتفادي الزحام في الطابق العلوي حيث قاعة توت عنخ آمون) ثم الانتقال إلى الطابق العلوي (لكن حسب الإضاءة – قد تفضل العكس). خصص وقتا كافيا للطابق الأرضي للاستمتاع بالتماثيل الضخمة ومنظومة العرض الزمني. الأكثر شهرة وازدحاما ستجده في الطابق العلوي (كنوز توت عنخ آمون وقاعة تانيس). المدة المثالية: بين 3 و5 ساعات لاستكشاف المتحف بشكل مريح، مع وجود فترات راحة في المنتصف .
استعد مسبقا: الحجز عبر الإنترنت غير متاح دائما، لكن يمكنك شراء تذكرة عند المدخل (آخر دخول 4 عصرا) . خصص 3 ساعات على الأقل للزيارة الكاملة. تجنب الزيارة يوم الجمعة (لأنه أكثر أيام الأسبوع ازدحاما). أفضل وقت للزيارة: الحق في 10:00 صباحا عند الافتتاح مباشرة، حيث الإضاءة الطبيعية في الطابق الأرضي تكون في أفضل حالاتها لالتقاط صور رائعة للتماثيل الضخمة، وعدد الزوار لا يزال منخفضا. الحق في 1:00 إلى 2:00 ظهرا هو الأكثر ازدحاما بتدفق المجموعات السياحية.
التصوير: مسموح بالتصوير الشخصي بدون فلاش. ممنوع الفلاش تماما في كل مكان لأنه قد يسبب بهتان ألوان المعادن الثمينة واللوحات والمنسوجات والبردي. التصوير ممنوع تماما في قاعة المومياوات الملكية (في حال كانت قيد الإعداد، أو في قاعة توت عنخ آمون التي تمنع الفلاش فقط). المعدات الاحترافية (حامل ثلاثي القوائم) تحتاج تصريحا خاصا. يمكنك استخدام الهواتف لالتقاط صور ممتازة مع الإضاءة الطبيعية القادمة من السقف في البهو العظيم .
إضاءة المتحف: إضاءة الطابق الأرضي طبيعية من السقف (نوافذ زجاجية في السقف). هذه الإضاءة رائعة للتصوير في الصباح الباكر. الطابق العلوي يعتمد على إضاءة صناعية (لحماية القطع في الفاترينات الزجاجية). قد تجد بعض المناطق مظلمة نوعا ما في الطابق العلوي، لكنه متعمد لحماية الذهب والفضة.
اللبس المناسب: لا توجد تعليمات صارمة بشأن ارتداء الملابس، بما أن المبنى فني أكثر من كونه دينيا، لكن من باب احترام المكانة الثقافية والموقع في وسط البلد (الذي قد يكون محافظا أكثـر من غيره في المساء)، يُفضل ارتداء ملابس محتشمة تغطي الكتفين والركبتين. ارتدِ حذاء مريحا للمشي لمسافات طويلة بين القاعات.
كيف تصل؟ المترو هو الخيار الأفضل والأسهل والأسرع. انزل في محطة السادات (الخطين الأول والثاني)، وستخرج مباشرة أمام البوابة الرئيسية للمتحف. يمكنك أيضا استخدام أوبر أو تاكسي من أي مكان في القاهرة، وحدد الوجهة "Egyptian Museum Tahrir". تجنب السيارة الخاصة لأن ميدان التحرير مزدحم جدا طوال اليوم والمواقف محدودة. إذا اضطررت للسيارة، استخدم مواقف السيارات العامة القريبة من ماسبيرو أو ميدان التحرير بتأمين معروف.
تجنب الزحام: أيام الخميس والجمعة والسبت هي الأعلى كثافة في العام. الأفضل الزيارة أيام الأحد والاثنين أو الثلاثاء صباحا. تجنب الزيارة في فترة الظهيرة (12-3 ظهرا) حيث يتدفق الحجوزات الجماعية والرحلات المنظمة.
جولة إرشادية: المرشدون السياحيون متاحون داخل المتحف (اسأل عند شباك التذاكر). يمكنك أيضا استئجار دليل صوتي عبر التطبيق الذكي. لكن أفضل تجربة أن تتجول مع دليل سياحي معتمد (منظم جيدا) يستطيع أن يشرح لك علاقة القطع ببعضها، حيث أن لا ترتيب موضوعي صارم في بعض أجزاء المتحف حاليا. إذا كنت بمفردك، يمكنك الاعتماد على اللوحات الإرشادية المتاحة بالعربية والإنجليزية (لكن بعضها قديم وغير محدث).
دمج الزيارات: المتحف في موقع ممتاز بقلب وسط البلد. يمكنك عمل يوم سياحي كامل في المركز: تبدأ بـ المتحف المصري بالتحرير (3 ساعات)، ثم تمشي لمدة 10 دقائق إلى ميدان التحرير نفسه (تاريخي/ رمزي)، ثم تنتقل إلى شارع التحرير (شارع القصر العيني) لرؤية المسرح القومي و دار الكتب المصرية و مجلس الشعب، ثم تتوجه إلى وسط البلد لتناول الغداء في أحد المطاعم التاريخية مثل مقهى ريش أو مطعم كشرى التحرير.
مكان للأكل: توجد كافيتيريا صغيرة داخل المتحف (في البهو الجانبي) تقدم مشروبات ساخنة وباردة وساندوتشات ووجبات خفيفة، لكن الخيار الأكثر تنوعا هو وسط البلد القريب. منطقة وسط البلد مليئة بالمطاعم التاريخية والمقاهي الشهيرة (مقهى ريش – مطعم الأندلس – مطعم كشرى أبو طارق). يمكنك الغداء في وسط البلد ثم العودة مرة أخرى للمتحف بعد الاستراحة.
التذكارات والهدايا: يوجد متجر هدايا عند المدخل يبيع تماثيل صغيرة مقلدة لأشهر القطع الأثرية (قناع توت عنخ آمون، تمثال خفرع، الكاتب الجالس)، كتب عن مصر القديمة وأدلة المتحف، مجوهرات وميداليات فضية، بوسترات وصور فوتوغرافية عالية الجودة. يفضل الشراء من متجر المتحف لضمان الجودة ودعم المتحف مباشرة. لكن كن حذرا: بعض التجار المتجولين خارج البوابة قد يبيعون هدايا مقلدة رديئة بأسعار مبالغ فيها.