يُعد قصر عابدين أحد أشهر وأعرق القصور الملكية في مصر، وأكثرها ارتباطا بتاريخ العائلة العلوية.
بدأ بناء القصر في عهد الخديوي إسماعيل عام 1863، واستمر العمل فيه لمدة 10 سنوات كاملة، وافتتح رسميا عام 1874 . سُمي القصر على اسم أحد قادة الخديوي إسماعيل، وهو "عابدين بك"، الذي كان يمتلك منزلا في نفس المنطقة.
اشترى الخديوي المنزل وهدمه وضم أرضه إلى أرض القصر الفخم. صمم القصر المهندس المعماري الفرنسي "روسو" (Rousseau)، وشاركه في البناء 5000 مهندس وعامل، وتكلف بناؤه حوالي 700 ألف جنيه ذهبي (ثروة هائلة في ذلك الوقت).
يجمع التصميم المعماري بين الطراز الأوروبي (الإيطالي والفرنسي) مع لمسات إسلامية وتركية، بالإضافة إلى الحدائق الفرنسية الواسعة .
ظل القصر المقر الرسمي للحكم والمقر السكني للأسرة العلوية من الخديوي إسماعيل (1874) حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952، حيث استخدم بعدها كمكتب للرئاسة (الجمهورية) ومكتب لوزارة الخارجية المصرية لفترة، قبل أن يتحول إلى قصر رئاسي يستقبل كبار ضيوف مصر من رؤساء وملوك العالم . في عهد الرئيس السادات و مبارك، تقرر تحويل جزء من القصر إلى متاحف مفتوحة للجمهور، وتم افتتاح المتاحف رسميا في 19 مايو 1994، بحضور الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك والسيدة سوزان مبارك والسيدة جيهان السادات . تُفتح المتاحف للجمهور فقط، بينما القصر الرئيسي لا يزال يستخدم لاستقبال الرؤساء والملوك وكبار ضيوف الدولة وهو منطقة محظورة تماما على الزوار .
يتكون قصر عابدين من أكثر من 500 غرفة، ويضم 5 متاحف رئيسية مفتوحة للزيارة، بالإضافة إلى 5 قاعات وكنيسة ومكتبة ضخمة ومسرح .
من سيف محمد علي إلى ميداليات نابليون بونابرت.. خمسة متاحف في واحد تروي تاريخ مصر الملكي والميدالي
متحف الأسلحة الملكية (Silverware Royal Museum/Arms Museum): يعد من أهم متاحف القصر وأكثرها ثراء، حيث يقع في الجناح الشرقي.
يُعرض على طابقين مقتنيات نادرة من الأسلحة التي استخدمها حكام مصر منذ العصر المملوكي وحتى العصر الملكي. من أبرز المقتنيات:
سيوف محمد علي باشا: سيوف ذهبية ومرصعة بأحجار كريمة كانت تخص مؤسس مصر الحديثة.
سيوف الخديوي إسماعيل والملك فاروق: مجموعة فريدة من السيوف الملكية.
بندقية نادرة تعود للإمبراطور نابليون بونابرت: قطعة فريدة ضمن المقتنيات التاريخية النادرة.
أسلحة بيضاء ونارية: مجموعة متنوعة من الدروع، والخوذات، والسيوف، والبنادق، والخناجر من مختلف العصور (العثماني – المملوكي – الأوروبي) مصنوعة من الذهب والفضة والأحجار الكريمة.
قاعة المرايا والثريات (قاعة الاستقبال): روعة وجمال فني رفيع، تغطي المرايا جدران القاعة لتعكس الثريات البلورية الضخمة، مما يخلق إحساسا بالاتساع والثراء الفني.
متحف الميداليات (Royalty Medals Museum/Medals Museum): يقع في الجناح الغربي للقصر، ويحتوي على واحدة من أندر مجموعات الميداليات والأوسمة في العالم. أبرزها:
ميداليات وأوسمة ملكية مصرية: أوسمة النيل، والكمال، والاستحقاق، والفضيلة، وغيرها من الأوسمة التي كانت تمنح لأفراد الأسرة المالكة وكبار رجال الدولة.
ميداليات عالمية نادرة: مجموعة من الميداليات التاريخية التي حصل عليها ملوك مصر من ملوك وأباطرة أوروبا وآسيا (بريطانيا – فرنسا – روسيا – النمسا – إيطاليا)، منها ميدالية نابليون بونابرت، وميداليات تذكارية لافتتاح قناة السويس (1869)، وميدالية تتويج الملك فاروق.
أوسمة من عصور مختلفة: من العصر المملوكي والعثماني وحتى العصر الجمهوري.
ديكورات وشارات: مجموعات نادرة من دبابيس وديكورات الشرف الملكية.
المتحف الملكي (Royalty Family Museum): يقع في الطابق الأول من القصر الرئيسي (الجزء الشرقي)، ويعرض المقتنيات الشخصية والأغراض الخاصة لأفراد الأسرة العلوية (الخديوي إسماعيل، الملك فؤاد الأول، الملك فاروق، والملكة نازلي، والملكة فريدة). يتميز بأثاثه الفخم وديكوراته الباذخة. من أبرز المقتنيات:
غرفة نوم الملك فاروق: أثاثها الملكي الفاخر.
مكتب الخديوي إسماعيل: من الخشب الثمين المنحوت.
التحف الفضية (Silverware): مجموعة ضخمة من الأطباق والأواني الفضية النادرة التي تستخدم في الولائم الرسمية الملكية (بعضها مرصع بالذهب).
التحف الكريستالية والبلورية: أطقم كاملة من الكريستال والبلور لخدمة الطعام الملكي.
تماثيل وصور شخصية: تماثيل برونزية ومرمرية لأفراد الأسرة المالكة، وصور فوتوغرافية ولوحات زيتية نادرة توثق مراحل حياتهم منذ الطفولة حتى العرش.
الأثاث الفخم: كنب وكراسي ومقاعد وطاولات خشبية مغطاة بالحرير والمخمل (الأحمر والأزرق والذهبي)، تعود للحقبة الملكية.
متحف الوثائق والمخطوطات (Historical Documents Museum): متحف صغير يقع في الطابق الأرضي من القصر، ويحتوي على مجموعة ثمينة من الوثائق والمخطوطات التاريخية النادرة. من أبرزها:
وثائق تأسيس قناة السويس: عقود واتفاقيات وخرائط أصلية.
فرمانات سلاطين وأباطرة: عهود وفرمانات تعيين وأوسمة عثمانية ونبش.
صور وخرائط نادرة: لمصر والقاهرة والاسكندرية منذ القرن التاسع عشر.
مخطوطات نادرة: مخطوطات إسلامية وقبطية ومخطوطة القرآن الكريم بخط اليد.
أرشيف الصور الملكية (الجزء التاسع والعاشر): مساحة عرض مخصصة للصور الفوتوغرافية التي تغطي حقبة 150 عاما من تاريخ أسرة محمد علي (من الخديوي إسماعيل حتى الملك فاروق والملكة نازلي)، وهي صور نادرة للغاية (بعضها نشر لأول مرة بعد ثورة 1952).
كنيسة قصر عابدين: كنيسة صغيرة (سرية) في الطابق العلوي، كانت مخصصة لتعميد أفراد العائلة المالكة وأقاربهم من الأمراء والأميرات .
قاعة الشاي الملكية: قاعة صغيرة أنيقة كانت تستخدم لاستقبال ضيوف القصر في فترة ما بعد الظهر (شاي بعد الظهيرة). تتميز بديكوراتها الوردية والذهبية الفاتحة وكراسيها المخملية المريحة، وهي أقل رسمية من قاعات العرش .
قاعات الاستقبال الرئاسية (القاعة الصينية – القاعة البلجيكية): قاعات فخمة متصلة بقاعة العرش الرئيسية، كانت تستخدم لاستقبال ضيوف الدولة وكبار الشخصيات في العصر الجمهوري. سميت بهذا الاسم نسبة لطراز الديكور المستخدم فيها.
حديقة قصر عابدين: تمتد الحديقة على مساحة شاسعة مليئة بالأشجار والزهور والنباتات النادرة، وتعتبر واحة خضراء هادئة وسط صخب وسط القاهرة. يمكنك التجول فيها بعد الانتهاء من زيارة المتاحف، وهي مكان مثالي للاسترخاء والراحة .
التحضير والتوقيت: يغلق المتحف أبوابه الساعة 3:00 عصرا، وآخر دخول الساعة 2:30 مساء . يغلق تماما يوم الجمعة. أفضل وقت للزيارة هو صباحا (9:30 – 11:00) حيث يقل الزحام وتكون الإضاءة طبيعية رائعة للتصوير .
التصوير: يُسمح بالتصوير العادي بالهواتف (بدون فلاش) في جميع المتاحف الخمسة. إذا كنت تمتلك كاميرا رقمية احترافية، يجب عليك شراء تذكرة تصوير عند شباك التذاكر أو من الحراس داخل القاعات. احتفظ بها معك لأن الحراس قد يطلبونها.
القصر غير مكيف بالكامل: معظم المتاحف في قصر عابدين غير مكيفة بشكل جيد (خاصة في الصيف)، لأن المبنى أثري وأسقفه خشبية قديمة. ارتد ملابس صيفية خفيفة وقبعة ونظارة شمسية، وأحضر مياها (تباع داخل الحديقة).
اللبس المناسب: القصر ليس مجرد متحف، بل قصر رئاسي سابق ومتحف حكومي رسمي. يُفضل ارتداء ملابس محتشمة (تغطي الكتفين والركبتين) من باب الاحترام للقيمة التاريخية والمكانة الرسمية. ملابس الشاطئ والملابس الضيقة جدا غير مناسبة.
خطط لمسارك: القصر يحتوي على 5 متاحف منفصلة (الأسلحة – الميداليات – العائلة المالكة – الوثائق – أرشيف الصور). إذا كان وقتك محدودا، ركز على متاحف الأسلحة والميداليات والعائلة المالكة (الأكثر ثراء). خصص 45 دقيقة لكل متحف.
كيف تصل؟ المترو هو الحل الأفضل. أقرب محطة هي محطة محمد نجيب (الخط الثالث) – خروج 1 أو 2 من المحطة، ثم مشي 5 دقائق . بدلا من ذلك، يمكنك استخدام محطة السادات (الخطين الأول والثاني) والمشي لمدة 10-15 دقيقة . تجنب السيارة الخاصة نهائيا لأن المواقف شبه معدومة في ميدان الجمهورية وميدان عابدين، والشارع مزدحم جدا بالحركة المرورية والمارة.
الجولة الإرشادية: غير متوفرة دائما (ما لم تكن مع مجموعة سياحية منظمة). يُنصح بالاعتماد على الكتيّبات المتوفرة (بالعربية والإنجليزية والفرنسية) واللوحات الإرشادية في كل قاعة، أو استخدام تطبيق الهاتف المحمول للترجمة الفورية. إذا كنت في مجموعة كبيرة، يمكنك ترتيب مرشد خاص مسبقا عبر وكالة سفر.
دمج الزيارات: قصر عابدين يقع في قلب وسط البلد (وسط القاهرة)، على بعد 10 دقائق مشيا من ميدان التحرير، و15 دقيقة مشيا من متحف الفن المصري القديم، و20 دقيقة مشيا من المسرح القومي و جامع الأزهر و شارع المعز. يمكنك عمل جولة تاريخية: تبدأ بقصر عابدين (صباحا)، ثم تنطلق إلى التحرير ومتاحف وسط البلد.
أيام الزيارة: القصر مغلق يوم الجمعة، لذلك الأيام المثالية هي الأحد والثلاثاء والأربعاء صباحا (أقل زحاما). تجنب الزيارة في أيام العطلات الرسمية (عيد الفطر – عيد الأضحى – 25 يناير – 6 أكتوبر) حيث تكون مزدحمة جدا.
مكان الأكل: لا توجد كافتيريا داخل القصر (للمتاحف)، لكن توجد كافتيريا صغيرة في حديقة قصر عابدين تقدم مشروبات ساخنة وباردة ووجبات خفيفة (ساندوتشات – حلويات). يمكنك إحضار مياه ومأكولات خفيفة معك (لأن الجولة طويلة). بعد الزيارة، منطقة وسط البلد (10 دقائق مشيا) مليئة بأشهر المطاعم المصرية القديمة (الكشري، الفلافل، المشاوي، والسمك) والمقاهي التاريخية (مقهى ريش – مقهى جروبي).
تذكارات: عند الخروج من القصر، قد تجد كشكا صغيرا يبيع كتبا عن تاريخ مصر والقصور الملكية، ومجسمات صغيرة للقصر (نادرة)، وميداليات وأوسمة مقلدة، وبطاقات بريدية وصور فوتوغرافية. لا توجد هدايا فاخرة أو ضخمة، لكنها تذكارات رائعة.