يُعد متحف محمد محمود خليل وحرمه واحداً من أهم المتاحف الفنية في مصر والشرق الأوسط، بل والعالم، لما يضمه من مجموعة نادرة من روائع الفن الانطباعي العالمي . يقع المتحف في منطقة الدقي بالجيزة، في قصر يعود تاريخ بنائه إلى عام 1915 على يد السياسي المصري الكبير محمد محمود خليل باشا (1877-1953)، الذي شغل منصب وزير الزراعة عام 1937 ورئيس مجلس الشيوخ عام 1939 .
تبدأ قصة المتحف كقصة حب حقيقية: أثناء دراسته القانون في جامعة السوربون بباريس عام 1897، التقى محمود خليل بفتاة فرنسية تُدعى إميلي هيكتور (المعروفة بـ إميلين)، كانت تدرس الموسيقى وتشاركه شغفه وهوسه بجمع الأعمال الفنية. وقع في غرامها وتزوجها عام 1903، وعندما عاد معها إلى مصر، بنى لها هذا القصر الفريد على طراز الكلاسيكي الفرنسي عام 1918 .
عاش الزوجان بين مصر وفرنسا يجمعان مقتنياتهما الفنية الثمينة. أوصى محمود خليل قبل وفاته في باريس عام 1953، بأن تتحول هذه المقتنيات وبالقصر إلى متحف تابع للحكومة المصرية بعد وفاة زوجته. تم تنفيذ الوصية عام 1960، وافتتح القصر كمتحف لأول مرة عام 1962 .
نقل المتحف إلى قصر الأمير عمرو إبراهيم بالزمالك عام 1971، ثم أعيد افتتاحه مرة أخرى عام 1979. وبعد إغلاق استمر حوالي 10 سنوات لأعمال التطوير الشاملة، أعيد افتتاح المتحف رسمياً في 4 أبريل 2021 . وقد فاز المتحف بجائزة أفضل مشروع ترميم في العالم لعام 2022، ضمن خمسة مشروعات مصرية فازت في مسابقة التحكيم العالمية .
يقع القصر على مساحة 8450 متراً مربعاً، ويحيط به حديقة مساحتها 2400 متر مربع، ويتكون من أربعة طوابق: بدروم ودور أرضي وأول، بالإضافة إلى الطابق الثاني .
من "زهرة الخشخاش" لفان جوخ إلى "زنابق الماء" لمونيه.. 876 عملًا تحكي تاريخ الفن العالمي
يضم متحف محمد محمود خليل وحرمه مجموعة نادرة وفريدة من نوعها، تجعله متحفا عالميا في قلب القاهرة. يبلغ عدد المقتنيات 876 عملاً، من لوحات وتماثيل ومزهريات ومنحوتات أثرية . المكان ليس مجرد متحف، بل هو قصر حفاظ على روح صاحبيه وزوجته الفرنسية، بكل تفاصيلهما الأثاثية والشخصية:
قاعات الدور الأرضي - قلب المتحف وقصته الأصلية :
يتكون الدور الأرضي من خمس قاعات عرض، صُممت لتعكس ذوق محمد محمود خليل وزوجته الرفيع :
القاعة المستديرة (أهم قاعات المتحف) : تتوسط هذه القاعة تمثال "نداء السلاح" من البرونز للفنان العالمي رودان (Auguste Rodin)، وهو تحفة نحتية لا تقدر بثمن .
تزين القاعة أيضاً سجادة حائط كبيرة تعود إلى القرن السابع عشر من بلجيكا (من فترة الروكوكو)، وعدد من الفازات الصينية واليابانية الكبيرة والتركية التي تعود إلى القرنين السادس والسابع عشر .
القاعة الثالثة: تحتوي على لوحة كبيرة للفنان أمان كانت مهداة إلى زوجة محمود خليل إميلين، إلى جانب بعض قطع الأثاث الخاصة بالزوجين مما يعطي إحساساً حقيقياً بجو الأسرة .
القاعة الأخيرة: تضم لوحة كبيرة تمثل رحلة صيد كانت مهداة إلى الرئيس الراحل أنور السادات، ولوحة بيضاوية تمثل صورة الأميرة دي فاجرام (الزوجة الثانية لنابليون بونابرت وابنة ملك النمسا فرنسيس الأول) .
اللوحات الانطباعية العالمية (أشهر مجموعة في الشرق الأوسط) :
هذه هي جوهرة المتحف وأهم ما يميزه، حيث يضم أندر مجموعة من روائع الفن الانطباعي الأوروبي خارج المتاحف الكبرى في أوروبا ونيويورك . يبلغ عدد اللوحات الزيتية والمائية والباستيل حوالي 304 لوحة من صنع 143 فناناً :
لوحة "زهرة الخشخاش" (The Poppy Flower) – فنسنت فان جوخ: أشهر مقتنيات المتحف على الإطلاق. رسمها الفنان الهولندي العالمي فان جوخ، وقد ارتبط اسم المتحف بهذه اللوحة بسبب سرقتها الشهيرة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وما زال الإنتربول يحقق فيها منذ أكثر من 10 سنوات دون جدوى . (اللوحة معروضة حالياً بعد استعادتها، وهي من أكثر اللوحات إبهاراً في العالم).
لوحة "الحياة والموت" (The Life and Death) – بول غوغان: تحفة بول غوغان الفلسفية التي تعكس نظرته العميقة للحياة والموت، وهي من المجموعة الأساسية للمتحف .
سلسلة "زنابق الماء" (Water Lilies) – كلود مونيه: يضم المتحف عدداً من لوحات سلسلة "زنابق الماء" العالمية لرائد المدرسة الانطباعية، والتي قال عنها مونيه: "أنا مدين للزهور بكوني صرت رسّامًا" .
لوحات كلود مونيه أخرى: بالإضافة إلى زنابق الماء، يضم المتحف لوحات أخرى لمونيه، تعكس قدرته الأسطورية على التقاط الضوء والظلال في الطبيعة .
أعمال إدغار ديغا: مجموعة من اللوحات والرسوم التعبيرية التي تصور عالم الباليه والسباق، بما في ذلك لوحات الباستيل الشهيرة التي تميز بها ديغا .
أعمال بيير أوغست رينوار: لوحات رينوار الناعمة التي تعكس جمال الطبيعة والإنسان، وهي نموذج للمدرسة الانطباعية الناضجة .
أعمال إدوارد مانيه: رائد المدرسة الانطباعية، وله أعمال مؤثرة في المجموعة .
أعمال كامي بيسارو: أحد آباء الانطباعية، وله لوحات تمثل الريف والحياة اليومية .
أعمال تولوز لوتريك: رسام الباريسية الشهيرة، وله لوحات تؤثر في أسلوب البوستر الحديث .
بيرث موريسو: إحدى نادرات الانطباعيات، ولوحاتها تعكس الحياة اليومية للمرأة في القرن التاسع عشر .
بول سيزان: أبو المدرسة الحديثة، وله لوحات تمثل جذور الفن التكعيبي .
المدارس الفنية الأخرى (التنوع الفني الثري) : لا يقتصر المتحف على الانطباعية فقط، بل يضم مجموعة متنوعة من المدارس والتيارات الفنية الأوروبية الأخرى، مما يجعله موسوعة فنية متكاملة :
الفن الرومانتيكي: أعمال لأوجين ديلاكروا (قائد المدرسة الرومانتيكية) وفورمنتان .
الفن الكلاسيكي: أعمال بيتر بول روبنز وفرانز زافير وينترهالتر (أشهر رسام البورتريه في القرن التاسع عشر).
الفن الواقعي: أعمال جان فرانسوا ميليه (الفلاحون والعمال الريفيون).
المستشرقون: فنانين مثل بيرشيد، وماريلات، وجبرييل بيسي الذين عشقوا شمس الشرق وإنسانه وعاداته وتقاليده .
التماثيل والنحت (50 تمثالاً) :
يبلغ عدد التماثيل في المتحف حوالي 50 تمثالاً من البرونز والرخام والجبس، من صنع 14 نحاتاً عالمياً :
تمثال "نداء السلاح" لرودان (في القاعة المستديرة).
تمثالان لمحمد حسن (نحات مصري) .
تمثال لسعيد الصدر .
تماثيل برونزية ورخامية وكلاسيكية ويونانية ورومانية (في الممرات والقاعات المختلفة).
الخزف والتحف الآسيوية (قصة هواية إميلي) :
كانت زوجة محمود خليل (إيميلي الفرنسية) مولعة بجمع التحف واللوحات الأوروبية وكذلك الآسيوية :
علب الأنرو ذات الطراز الياباني: مجموعة نادرة من صناديق الأنرو اليابانية الصغيرة المصنوعة بدقة متناهية من الخشب والعاج والدهانات .
الجرات الأثرية اليابانية: تزين كل زاوية في المتحف جرات أثرية يابانية منقوشة باللون الأزرق .
فازات صينية ويابانية وتركية: تعود إلى القرن السادس عشر والسابع عشر .
تحف صينية دقيقة: مصنوعة من الأحجار الكريمة .
أواني خزفية: من فرنسا وتركيا وإيران والصين .
القصر نفسه (رحلة معمارية): المبنى هو تحفة فنية قائمة بذاتها:
الردهة الرئيسية: عند دخولك، تستقبلك ثريا عملاقة تتدلى من سقف الدور الثاني وتمر بأدوار القصر في الأفق الفارغ بين الأدوار والسلم الرخامي الأبيض المغطى بسجاد أحمر عتيق .
البيانو الضخم: يقع أسفل الثريا، وكانت تعزف عليه زوجة محمود خليل إيميلي بعد زواجها .
التصميم الداخلي: القصر مدهون باللون الأبيض وتزين أسقفه المرتفعة منحوتات من الجص الأبيض المذهب (فريسكو) .
الواجهات المعمارية: الواجهة الغربية للمبنى على طراز أرت ديكو الذي ظهر في فرنسا في عشرينات القرن الماضي، بينما الواجهة الشرقية على طراز أرت نوفو الذي ظهر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر .
المرافق الثقافية الأخرى :
قاعة "أفق واحد": أكبر القاعات المتخصصة في الشرق الأوسط بمساحة 340 متراً، مخصصة للمعارض الفنية المصرية والعربية المتغيرة .
مكتبة وقاعة ندوات في البدروم: تستخدم لاستضافة الفعاليات الثقافية والندوات .
استعد مسبقا: المتحف مفتوح من 10 صباحا حتى 4 عصرا. يغلق يومي الاثنين والجمعة . خصص له ساعة ونصف إلى ساعتين كاملتين (يضم 7 قاعات عرض ثابتة ومكتبة وقاعة ندوات) . أفضل وقت للزيارة هو صباح الأحد أو الثلاثاء أو الأربعاء (10:30 – 12:30) حيث الإضاءة الطبيعية مثالية والزحام في أقل حالاته.
التصوير: مسموح بالتصوير الشخصي بدون فلاش. ممنوع الفلاش نهائيا لأنه يسبب بهتان ألوان اللوحات الزيتية القديمة التي يصل عمرها إلى 150-200 سنة. التقط صورا مقربة للوحة "زهرة الخشخاش" لفان جوخ، ولـ "زنابق الماء" لمونيه، ولـ تمثال رودان، وللـ بيانو والثريا في الردهة الرئيسية (هذه من أشهر اللقطات في مصر).
القصة الأهم (قصة الحب) : قبل التجول، تذكر أن هذا القصر ليس مجرد متحف جاف، بل هو منزل عاش فيه محمد محمود خليل وزوجته الفرنسية إيميلي هيكتور، اللذين جمعا هذه المقتنيات بحبهما المشترك للفن . يمكنك أن تتخيل إيميلي تعزف على البيانو أسفل الثريا، والشيخ محمد جالساً يقرأ في مكتبته. هذه القصة تجعل التجربة إنسانية ومؤثرة جدا.
الجولة الإرشادية:
يمكنك الاعتماد على اللوحات الإرشادية في كل قاعة (بالعربية والإنجليزية)، التي تحدد اسم الفنان والحقبة الزمنية والمواصفات . أيضا حراس المتحف (خاصة كبار السن منهم) يمتلكون معلومات وافرة عن تاريخ كل لوحة وقصة سرقة لوحة فان جوخ، يمكنك إعطائهم إكرامية بسيطة. يستحق المرشد السياحي المتخصص في الفن التشكيلي إذا كنت مع مجموعة كبيرة.
خلفية فنية: متحف محمود خليل هو المكان الوحيد في مصر والشرق الأوسط الذي يضم أعمالا لنخبة من أشهر الفنانين الانطباعيين (مونيه، فان جوخ، رينوار، ديغا، غوغان، تولوز لوتريك، بيسارو، مانيه، وغيرهم) . هذه فرصة نادرة لرؤية هذه الكنوز بدون السفر إلى باريس أو نيويورك. اقرأ قليلا عن المدرسة الانطباعية قبل الذهاب، أو استمع إلى معلومة من جوالك أثناء الزيارة.
كيف تصل؟ المترو ثم تاكسي هو الأفضل:
المترو: استقل الخط الثاني إلى محطة الدقي (خط جديد نسبياً). من هناك، استقل تاكسي أو اعتمد على تطبيق أوبر (3-5 دقائق). يمكنك أيضا استخدام محطة جامعة القاهرة (الخط الثاني) والمشي لمسافة أطول .
أوبر أو تاكسي: الأسهل إذا كنت لا تعرف المنطقة جيداً. حدد الوجهة "Mohamed Mahmoud Khalil Museum" .
السيارة الخاصة: الحي راق وقد توجد مواقف محدودة في الشارع الجانبي، لكن يفضل استخدام أوبر لتجنب عناء البحث عن موقف في أوقات الذروة.
دمج الزيارات: المتحف يقع في الدقي، وهو موقع مثالي لدمج عدة معالم في رحلة ثقافية متكاملة:
ابدأ بمتحف محمد محمود خليل وحرمه (ساعتين).
توجه إلى متحف محمود مختار (حديقة الحرية – الزمالك – 10 دقائق بالسيارة) لرؤية تماثيل رواد النحت الحديث.
قم بزيارة دار الأوبرا المصرية (الزمالك) إذا أردت حضور عرض في المساء (على بعد 10 دقائق بالسيارة).
إذا كان باقي وقت، يمكنك التوجه إلى متحف أم كلثوم و متحف أحمد شوقي (في الجيزة – على بعد 10-15 دقيقة بالسيارة)، لتكملة جولة عمالقة الفكر والفن في مصر في القرن العشرين.
تجنب الزحام: الاثنين والجمعة (المتحف مغلق) . السبت والنصف الثاني من الأسبوع قد يكون مزدحما بالزوار المحليين. الأحد والثلاثاء والأربعاء صباحا هي أفضل أوقات الزيارة.
مكان الأكل:
لا توجد كافتيريا داخل المتحف نفسه. لكن منطقة الدقي وشارع التحرير مليئة بالخيارات:
راقية ومتوسطة: مطاعم مصرية وعالمية (إيطالي، فرنسي، شرقي) في "شارع النيل المراقص" و"شارع التحرير" القريبين. يوجد "مطعم تشيلي هاوس"، "مطعم جريل هاوس الشهير"، ومطاعم "ذا روتشستر" الفاخرة.
اقتصادية: مطاعم مصرية شعبية (الكشري، الفلافل، المشاوي) في شوارع الدقي خلف ميدان الجيزة.
كافيهات: منطقة "القيادة" في الدقي، و"الزمالك" القريبة تقدم مقاهي عصرية للقهوة والشاي وسندوتشات خفيفة بعد الزيارة.
تذكارات:
لا يوجد متجر هدايا ضخم داخل المتحف. الخيار الأفضل للهدايا:
الهدية الأكثر قيمة: شراء كتالوج المتحف من مكتبة المتحف (إذا كانت متاحة). يحتوي على صور وشرح لكل اللوحات النادرة.
بطاقات بريدية: قد تجد عند المدخل (اسأل شباك التذاكر) بعض البطاقات البريدية للوحات فان جوخ ومونيه.
هدية ثقافية: قم بشراء كتاب من دار الكتب المصرية أو من معرض الكتاب الدوري—كتاب عن تاريخ الفن الانطباعي، واقرأه لتعيش التجربة ثانية في منزلك.
روح المكان: التصوير مع بيانو إيميلي في الردهة الرئيسية هو أروع تذكار لا ينسى.