في وقت تُصبح فيه منصات التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من صناعة السياحة، لا تعود شهرة الأماكن السياحية ترتبط فقط بالإعلانات أو الحملات الترويجية التقليدية، بل تُصبح لقطة قصيرة على "تيك توك" أو صورة منتشرة على "إنستجرام" قادرة على تحويل مكان هادئ إلى مقصد مزدحم خلال أيام قليلة.
وخلال السنوات الأخيرة، تُساهم السوشيال ميديا في الترويج لعشرات الأماكن الطبيعية والسياحية، بعدما تتحول الفيديوهات القصيرة إلى وسيلة رئيسية يعتمد عليها الشباب لاكتشاف أماكن جديدة والتخطيط لرحلاتهم.
لكن في المقابل، يرى خبراء أن هذا الانتشار السريع لا ينعكس دائمًا بشكل إيجابي، إذ تتحول بعض الأماكن بعد شهرتها المفاجئة إلى مناطق تعاني الزحام والفوضى والضغط الكبير على الخدمات، فضلًا عن تزايد المخلفات والتأثير على طبيعة المكان نفسه.
ومع استمرار تأثير المنصات الرقمية على قرارات السفر، يطرح متخصصون تساؤلات حول قدرة بعض المقاصد السياحية على استيعاب هذا التدفق المفاجئ من الزوار، خاصة في الأماكن غير المجهزة لاستقبال أعداد كبيرة.
يرى خبراء السياحة والتسويق الرقمي أن الأزمة تبدأ أحيانًا من فيديو لا تتجاوز مدته دقيقة واحدة، لكنه يحقق ملايين المشاهدات ويدفع أعدادًا كبيرة من الأشخاص لزيارة نفس المكان خلال فترة قصيرة.
فالمستخدم لا يبحث فقط عن الاستمتاع بالرحلة، بل يُصبح مهتمًا أيضًا بالعثور على مكان مناسب للتصوير وصناعة المحتوى ومشاركة التجربة عبر الإنترنت.
وفي كثير من الأحيان، تتحول الأماكن الهادئة إلى مواقع مزدحمة بسبب رغبة الزوار في التقاط نفس الصور أو إعادة تصوير الفيديوهات المنتشرة على مواقع التواصل.
تقول الدكتورة مروة السعيد، خبيرة الإعلام الرقمي: "فيديو واحد ممكن يغيّر شكل المكان بالكامل خلال أيام."
وتوضح أن بعض الأماكن لا تكون معروفة بشكل واسع، لكن انتشارها عبر "الريلز" و"التيك توك" يجعلها تتحول إلى ترند سريع يجذب آلاف الزوار، مضيفة: "الناس بقت تسافر أحيانًا علشان تصور نفس اللقطة اللي شافتها أونلاين."
وتؤكد أن المشكلة لا تكمن في الترويج نفسه، بل في غياب التنظيم والاستعداد لاستقبال الأعداد الكبيرة من الزوار.
وتضيف: "الناس بتختار المكان على أساس شكله في الصور والفيديوهات، مش على أساس التجربة نفسها."
وتشير إلى أن ثقافة "الترند" تدفع بعض الزوار للبحث عن الأماكن التي تحقق تفاعلًا أكبر على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن بين أكثر الأشياء التي تجذب المستخدمين: الإضاءة، والمناظر الطبيعية، والزوايا المناسبة للتصوير، والمواقع التي تظهر في فيديوهات مشهورة.
وتقول: "بعض الأماكن بقت معروفة بسبب صورة أو فيديو أكتر من قيمتها الحقيقية."
كما توضح أن الزحام المفاجئ يؤثر على تجربة الزائر نفسه، لأن المكان يفقد هدوءه وطبيعته التي تجذب الناس إليه في البداية.
واحدة من أبرز المشكلات التي يشير إليها الخبراء تتمثل في زيادة المخلفات والتكدس داخل بعض الأماكن بعد انتشارها على السوشيال ميديا.
تقول الدكتورة مروة: "بعض الناس بتروح المكان للتصوير فقط، بدون أي اهتمام بالحفاظ عليه."
وتوضح أن بعض المناطق الطبيعية تبدأ في المعاناة من تراكم القمامة أو تلف بعض المرافق بسبب الضغط المتزايد، مضيفة: "الشهرة السريعة أحيانًا بتكون أكبر من قدرة المكان على الاستيعاب."
ويؤكد خبراء أن بعض الدول تبدأ بالفعل في فرض قيود على أعداد الزوار داخل الأماكن الطبيعية الحساسة للحفاظ عليها من التدهور.
يرى متخصصون أن المحتوى البصري يُصبح المحرك الأساسي للسياحة الحديثة. فالمستخدم يتخذ قراره غالبًا بعد مشاهدة فيديو أو صورة جذابة على الإنترنت، ما يجعل الصورة عنصرًا أكثر تأثيرًا من الإعلانات التقليدية.
يقول الخبير السياحي حسام لطفي: "الناس دلوقتي بتقرر تسافر من فيديو مدته ثواني."
ويوضح أن بعض الأماكن تحقق شهرة غير متوقعة بسبب تصوير بسيط ينتشر على السوشيال ميديا، مضيفًا: "فيه أماكن كانت هادئة جدًا وفجأة بقت زحمة طول الوقت بسبب الترند."
ويشير إلى أن المشكلة لا تتعلق بالشهرة نفسها، بل بطريقة إدارة التدفق الكبير للزوار، ويقول: "أي مكان ممكن ينجح سياحيًا، لكن لازم يكون فيه تنظيم يحافظ عليه."
يرى خبراء أن صناع المحتوى يُصبحون جزءًا أساسيًا من صناعة السياحة الحديثة. فالكثير من المستخدمين يعتمدون على تجارب المؤثرين أكثر من اعتمادهم على الحملات الرسمية.
تقول الدكتورة مروة: "السوشيال ميديا قربت الأماكن للناس بشكل كبير."
وتضيف أن بعض الفيديوهات تساعد بالفعل في تنشيط السياحة الداخلية والتعريف بأماكن لا تكون معروفة من قبل، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أهمية نشر ثقافة الحفاظ على المكان وعدم التعامل معه بشكل عشوائي.
في جولة لرصد آراء عدد من المواطنين:
يقول محمد سامح (23 عامًا): "أوقات بشوف مكان على تيك توك وأقرر أروحه علشان أصور نفس الفيديو."
تضيف منة خالد (25 عامًا): "فيه أماكن بقت زحمة جدًا بعد ما اشتهرت على السوشيال ميديا."
بينما يقول أحمد عادل: "بعض الناس بتبقى مهتمة بالتصوير أكتر من الاستمتاع بالمكان نفسه."
تشير تقارير التسويق الرقمي إلى أن نسبة كبيرة من الشباب تعتمد على منصات التواصل الاجتماعي في اختيار الوجهات السياحية.
كما تؤكد الدراسات أن الفيديوهات القصيرة تُصبح من أكثر الوسائل تأثيرًا على قرارات السفر، خاصة بين الفئات الأصغر سنًا. ويرى خبراء أن هذا التحول يجعل السوشيال ميديا لاعبًا رئيسيًا في تشكيل خريطة السياحة الحديثة.
يؤكد الخبراء أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تبدأ في لعب دور متزايد في توجيه المحتوى السياحي على المنصات الرقمية. فخوارزميات التطبيقات تُرشح الأماكن الأكثر انتشارًا وتدفعها للوصول إلى ملايين المستخدمين خلال وقت قصير.
تقول الدكتورة مروة: "الخوارزميات بقت قادرة تصنع ترند سياحي كامل."
وتضيف أن هذا الانتشار السريع يجعل بعض الأماكن تواجه ضغطًا مفاجئًا قد لا تكون مستعدة له.
يرى الخبراء أن استمرار هذه الظاهرة دون تنظيم يؤدي إلى عدد من النتائج السلبية، من بينها:
زيادة الزحام داخل بعض المقاصد
تراجع هدوء الأماكن الطبيعية
ارتفاع حجم المخلفات
تلف بعض المرافق
ضعف جودة التجربة السياحية
تحول بعض الأماكن إلى مواقع تصوير فقط
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، يطرح الخبراء مجموعة من الحلول التي يمكن أن تساعد في تحقيق التوازن بين الترويج السياحي والحفاظ على الأماكن:
أولًا: تنظيم أعداد الزوار – تحتاج بعض الأماكن إلى تنظيم أعداد الزائرين خاصة في أوقات الذروة.
ثانيًا: نشر ثقافة الحفاظ على المكان – تساعد زيادة التوعية عبر السوشيال ميديا في تقليل السلوكيات العشوائية.
ثالثًا: تطوير البنية التحتية – يساعد تجهيز الأماكن السياحية بالخدمات المناسبة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الزوار.
رابعًا: دعم السياحة المسؤولة – تشجيع الزوار على احترام طبيعة المكان وعدم الإضرار به.
خامسًا: التعاون مع صناع المحتوى – يمكن لصناع المحتوى أن يلعبوا دورًا إيجابيًا في نشر سلوكيات تحافظ على المقاصد السياحية.
سادسًا: توزيع الزوار على أماكن مختلفة – الترويج لمقاصد جديدة قد يساعد في تقليل الضغط على الأماكن التي تشهد زحامًا كبيرًا.