مواطنون: نخشى الإبلاغ خوفاً من السجن.. الإفتاء: "ليست ركازاً وبيعها حرام".. وخبراء يوضحون خريطة "المكافأة القانونية"
تحت كل حبة رمل في مصر، يغفو جزء من تاريخ البشرية. هذه الحقيقة الجغرافية والتاريخية جعلت من الأراضي المصرية "كنزاً مفتوحاً" قد يبوح بأسراره في أي لحظة. بين عشية وضحاها، قد يجد مزارع تمثالاً أثرياً شقته فأس أرضه، أو يصطدم عامل بناء بجدار مقبرة أثناء حفر أساسات منزل بسيط.
في تلك اللحظة الفارقة، يجد المواطن نفسه ممزقاً بين "هوس الثراء السريع" الذي تغذيه خرافات الدجالين، وبين "الخوف من الملاحقة الأمنية"، ليتحول الأثر من ملكية قومية إلى ضحية لعصابات التهريب أو يُدفن مجدداً تحت وطأة الخوف.
أولى بوابات الجريمة تبدأ من "غسيل الأدمغة" الذي يمارسه تجار الوهم ومحترفو التنقيب. يوهم هؤلاء الدجالون المواطن البسيط بأن ما يجده في أرضه هو "ركاز" (كنز مدفون من زمن الجاهلية)، وأنه يحق له الاحتفاظ به وبيعه مع إخراج "الخُمس" زكاةً لتكون أمواله حلالاً.
هنا، كان لا بد من اللجوء إلى دار الإفتاء المصرية التي حسمت هذا الجدل بفتوى قاطعة لا لبس فيها. حيث أكدت الإفتاء أن الآثار المصرية لا ينطبق عليها حكم "الركاز" المذكور في الفقه القديم، بل هي "أموال عامة" وملكية خالصة للأمة والدولة الحديثة. وأوضحت الفتوى صراحة أن التنقيب الفردي عن الآثار أو المتاجرة فيها وتهريبها هو "حرام شرعاً"، لأنه يُعد افتئاتاً على حق الدولة، وسرقة لمقدرات الأجيال القادمة.
في جولة استقصائية استمعنا فيها لنبض المواطنين، اكتشفنا أن أزمة "عدم الإبلاغ" لا تنبع دائماً من الطمع، بل من الجهل بالقانون والخوف من بطشه.
يقول محمد عبد الحكم، مزارع بإحدى قرى الغربية: "لو لقيت حتة آثار وأنا بحرث أرضي، عمري ما هبلغ الشرطة! الناس كلها فاهمة إن اللي بيبلغ بيتقبض عليه بتهمة التنقيب، وممكن الحكومة تاخد أرضه وتحط عليها يدها وميعرفش يزرعها تاني".
بينما تشير أم محمود، ربة منزل، إلى كوارث الحفر تحت المنازل قائلة: "جيراننا حفروا تحت بيتهم 10 متر عشان شيخ قالهم تحتكم كنز، البيت نزل عليهم وماتوا كلهم. الناس بتجري ورا السراب".
وفي مواجهة حاسمة مع هذا السلوك، صرح الأستاذ فارس حسني، أمين عام نقابة السياحيين في مصر، بعبارات شديدة اللهجة، حيث وصف المنقبين عن الآثار أسفل منازلهم "بالخونة للوطن".
وأكد حسني أن ما يجدونه هو ملك خالص للدولة وليس ملكية خاصة كما يصور لهم الدجالون، مشدداً على أن من يلهث وراء خرافات الثراء السريع يضع نفسه تحت طائلة القانون والإدانة التاريخية. وأضاف أن المواطن يجب أن يدرك أن حماية الأثر هي حماية لمصدر رزق قومي وسياحي، وأن الطريق الوحيد للحصول على حق مادي هو اتباع الطرق القانونية التي تكافئ الأمانة، وليس الجريمة التي تدمر الهوية وتؤدي للسجن.
من جانبه، يرى الباحث أحمد سامي الشورة، المتخصص في علم الآثار المصرية وأمين متحف الآثار التعليمي بجامعة طنطا، أن الكارثة الكبرى لا تكمن فقط في سرقة الأثر، بل في تدمير هويته.
يقول الشورة: "علم الآثار لا يبحث عن الذهب، بل يبحث عن (المعلومة). عندما يقوم شخص غير متخصص بالحفر العشوائي، فهو يدمر السياق التاريخي المحيط بالأثر، والقطعة المكتشفة خلسة تفقد 70% من قيمتها العلمية لأنها أصبحت مجرد قطعة صماء بلا قصة. تسليم الموقع فور العثور عليه صدفة يمنح لجان الآثار فرصة دراسة المكان بطرق علمية تنقذ تاريخنا من الضياع".
المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن قانون حماية الآثار لم يكتفِ بتغليظ العقوبات لتصل إلى السجن المؤبد وغرامات بملايين الجنيهات، بل وضع "طوق نجاة" لمن يقوده حظه لاكتشاف أثر بالصدفة.
وفقاً للمادتين (43) و(44) من القانون، يجب على من يعثر مصادفة على أثر منقول أو ثابت إبلاغ السلطات خلال 48 ساعة. وفي هذه الحالة، يُصبح المواطن في حماية القانون، وتُقرر له اللجنة المختصة "مكافأة مالية" تُقدر قيمتها بحسب أهمية الأثر، أما نزع ملكية الأرض (في حالات نادرة) فيتم بتعويض مادي عادل للمالك.
1. توقف فوراً عن الحفر – بمجرد ظهور أي معالم أثرية لمنع تدميرها.
2. لا تنقله من مكانه – الحفاظ على الأثر في بيئته يحميه من التلف السريع.
3. التوثيق – قم بتصوير المكان لإثبات حالة العثور عليه صدفة أثناء عمل مشروع (زراعة أو بناء).
4. الإبلاغ الرسمي – توجه فوراً لأقرب قسم شرطة أو إدارة شرطة السياحة والآثار لعمل "إثبات حالة" وضمان حقك في المكافأة القانونية.
التاريخ لا يُباع في الغرف المظلمة، والقانون المصري فتح باباً للنجاة والمكافأة لكل مواطن شريف يختار أن يكون حارساً لحضارة أجداده، بدلاً من أن يكون "خائناً" لوطنه أو سجيناً خلف القضبان.