طال التطوير والتحسين جميع مناحي الحياة في مصر، من مبادرات قومية للارتقاء بمستوى معيشة المواطنين مثل «حياة كريمة»، إلى تدشين شبكات طرق وبنية تحتية عملاقة ربطت أطراف الوطن شمالاً وجنوباً. هذا الزخم التنموي، وما رافقه من أحداث عالمية كبرى كافتتاح طريق الكباش ونقل المومياوات الملكية، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك عزم القيادة السياسية على إزالة الغبار عن تاريخ وحضارة مصر المطمورة تحت التراب.
إلا أن مصر، التي تُعد بحق "متحفاً مفتوحاً" يضم ثلث آثار العالم، لا تزال تخفي بين طيات قراها ونجوعها كنزاً غير مستغل؛ نتحدث هنا عن آلاف المواقع الأثرية والمتاحف الإقليمية الغائبة تماماً عن الخريطة السياحية العالمية والمحلية. هذا الإهمال أو الضعف التسويقي لا يمثل فقط إهداراً لقيمة تاريخية، بل يمثل "نزيفاً اقتصادياً" لفرص عمل ضائعة كان يمكن أن تنتشل مجتمعات محلية بأكملها من البطالة عبر ما يُعرف باقتصاد "السياحة المجتمعية".
العمل الصحفي لا يعتمد على الأمنيات، بل تصدقه الأرقام. وبلغة الإحصائيات الرسمية الموثقة، تكشف نشرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (وتحديداً النشرة السنوية للإحصاءات الثقافية لعام 2018 وما تلاها من تحديثات معتمدة من مركز المعلومات بمجلس الوزراء)، أن عدد المناطق الأثرية المؤهلة التي تدر دخلاً وتستقبل زواراً بشكل رسمي في مصر يبلغ نحو 145 منطقة أثرية فقط.
هذا الرقم الضئيل، عند مقارنته بآلاف المواقع والآثار المكتشفة التي تنتشر في كل شبر من أرض مصر، يطرح تساؤلات ملحة. فعلى سبيل المثال، وحسب تقارير لجان حصر الآثار، تضم محافظة الشرقية وحدها نحو 102 موقع أثري (أبرزها تل بسطة وصان الحجر)، لم يُستثمر أغلبها سياحياً بالشكل اللائق، ولم يتم وضعها على مسارات وبرامج الشركات السياحية الكبرى، مما يمثل إهداراً لمورد اقتصادي ضخم.
للانتقال من لغة الأرقام إلى أرض الواقع، تكشف الخريطة الجغرافية لمصر عن أماكن تقف شاهدة على عظمة الأجداد وإهمال الأحفاد:
1. معبد "بهبيت الحجارة" (محافظة الغربية)
في مركز سمنود، يرقد أثر كان في يوم من الأيام يُضاهي معبد فيلة في عظمته، وهو معبد "بهبيت الحجارة" المكرس لعبادة الإلهة إيزيس (بُني في عهد الأسرة الثلاثين). اليوم، المعبد عبارة عن كتل جرانيتية ضخمة متناثرة على الأرض تتضمن نقوشاً غاية في الدقة. ورغم أهميته القصوى، يفتقر المكان لأدنى مقومات الجذب السياحي، من طرق ممهدة أو مراكز زوار أو حتى خطة لإعادة تركيب أحجاره.
2. المتاحف التعليمية والإقليمية (متحف آثار جامعة طنطا نموذجاً)
لا يقتصر النسيان على التلال الأثرية، بل يمتد للمتاحف. فالمتاحف التعليمية المتواجدة داخل الجامعات الإقليمية، مثل متحف الآثار التعليمي بجامعة طنطا، تضم قطعاً أثرية أصلية ونادرة تُستخدم في تدريس الطلاب. ورغم قيمتها، تظل هذه المتاحف معزولة عن الجمهور العام وعن البرامج السياحية للمحافظة، مما يُهدر فرصة تحويلها إلى مزارات ثقافية تخدم أهالي الإقليم وتدر دخلاً.
3. تلال القليوبية ومقابر الصعيد
تمتد القائمة لتشمل "تل أتريب" وتل اليهودية بالقليوبية، وصولاً إلى مقابر "دير ريفا" بالظهير الصحراوي لأسيوط، وهي مناطق تعاني من نقص التسويق، وتحتاج لتدخل سريع لحمايتها من الزحف العمراني وتحويلها لمتاحف مفتوحة.
في جولة ميدانية بالقرب من بعض تلك المواقع في الوجه البحري، استمعنا إلى نبض الشارع المجاور لها، حيث تتجسد المفارقة بين القيمة التاريخية والواقع الاقتصادي.
يقول أحد المواطنين – من سكان قرية مجاورة لأحد التلال الأثرية – بنبرة يشوبها الأسى:
"نحن نعيش فوق التاريخ، لكن للأسف المكان تحول في بعض أطرافه إلى مرعى للأغنام ومأوى للمخلفات بدلاً من أن يكون مزاراً يجلب الرزق للقرية. نرى أجانب وباحثين يأتون من حين لآخر، لكنهم يغادرون سريعاً لعدم وجود أي خدمات".
وتلتقط أطراف الحديث سيدة أربعينية تسكن بجوار موقع مشابه قائلة:
"الأمر لا يحتاج لمعجزة، لو أن هذه الأماكن تم تسويرها وتنظيفها، وعملنا نحن كأهالي في تقديم الخدمات للزوار، من مأكولات شعبية أو بيع مشغولات يدوية، لما اضطر أبناؤنا للسفر والغربة. هذا الأثر لو اشتغل صح.. هيفتح بيوتنا كلنا".
وللغوص أكثر في عمق المشكلة من الناحية الأكاديمية والعلمية، التقينا بالباحث أحمد سامي الشورة، المتخصص في علم الآثار المصرية وأمين متحف الآثار التعليمي بجامعة طنطا والذي وضع يده على الجرح قائلاً:
"إن علم الآثار في مصر يواجه تحديات حقيقية لا تقتصر فقط على الاكتشاف، بل تمتد لكيفية الحفاظ على هذا الإرث وتحويله إلى نقاط إشعاع ثقافي. الأماكن المهملة والمترامية الأطراف في المحافظات ليست مجرد حجارة، بل هي جزء من هويتنا الوطنية التي تُهدر. ولدينا فرصة ذهبية مهدرة تتمثل في تفعيل دور المتاحف التعليمية والإقليمية؛ فهذه الكيانات قادرة على نشر الوعي الأثري وصناعة انتماء حقيقي للشباب تجاه تاريخهم".
ويضيف الشورة:
"نحتاج بشدة إلى دمج التكنولوجيا الحديثة لتوثيق وعرض هذه الآثار. الاستثمار في تقنيات مثل الواقع الافتراضي يمكن أن يعيد إحياء المواقع المهدمة أمام عين الزائر، ويقدم تجربة سياحية فريدة تجذب الانتباه دون أن نكبد ميزانية الدولة أعباء خرافية لعمليات الترميم المعقدة والمكلفة".
من جانبه، ينتقل بنا الأستاذ فارس حسني، أمين عام نقابة السياحيين في مصر، إلى زاوية صناعة السياحة وتفعيل طاقات الجيل الجديد لتنشيط هذا القطاع المنسي، مؤكداً أن قطاع السياحة المصري يمتلك إمكانيات تؤهله لمضاعفة أرقامه إذا تم تنويع المقاصد بدلاً من التركيز حصراً على المدن الكبرى.
ويضيف حسني:
"الخروج من مأزق الآثار غير المستغلة يتطلب تفكيراً خارج الصندوق وبدماء جديدة. نحن في النقابة نولي اهتماماً بالغاً بسبل دعم مشروعات تخرج الطلاب في كليات السياحة والفنادق والآثار، لأن هؤلاء الشباب يمتلكون أفكاراً ترويجية مبتكرة وحلولاً تكنولوجية قادرة على وضع المواقع المنسية في المحافظات على الخريطة السياحية مجدداً. تطوير قطاع السياحة لن يكتمل إلا بربط هذه المواقع بالمجتمع المحلي؛ يجب أن يتحول الأثر من مزار صامت إلى 'تجربة متكاملة' يتفاعل فيها السائح مع ثقافة أهل المكان وتراثهم، مما يضمن استدامة الأثر وتوفير فرص عمل حقيقية لأبناء القرى".
خلاصة القول، وبعد عرض الأرقام والاستماع لصرخات المواطنين ورؤى الخبراء، يتضح أن الاستراتيجية الأنجع لإنقاذ المواقع الأثرية المهملة لا تكمن في انتظار قرارات فوقية أو ميزانيات مليارية، بل في تبني الدولة لمفهوم "السياحة المجتمعية واقتصاد الظل السياحي".
ونضع هنا بين يدي صُناع القرار في وزارات السياحة والآثار، والتنمية المحلية، رؤية واضحة للحل تتلخص في:
تأسيس شركات مجتمعية صغيرة: منح تراخيص للشباب في القرى المحيطة بالآثار لإنشاء كافيتريات بيئية، ومنافذ لبيع التراث المحلي، تحت إشراف المحليات.
برامج تدريبية عاجلة: تدريب أبناء المناطق الأثرية ليكونوا أدلاء سياحيين محليين وحراساً مجتمعيين للأثر.
تبني أفكار الخريجين: قيام وزارة السياحة برعاية مشروعات التخرج المتميزة التي تعتمد على تسويق الآثار المنسية بتطبيقات الهاتف والواقع الافتراضي.
فتح المتاحف الإقليمية: وضع آلية لفتح المتاحف التعليمية بالجامعات للجمهور بأسعار رمزية لتعزيز الانتماء المحلي.
حينها فقط، سيصبح المواطن هو المستفيد الأول والحارس الأمين للأثر، وتتحول هذه المواقع من "أطلال منسية" ومناطق إهمال إلى دجاجة تبيض ذهباً تدعم الاقتصاد الوطني وترتقي بحياة ملايين المصريين.