يرصد هذا التحقيق العلاقة المتشابكة بين «جيل زد» المصري ووسائل التواصل الاجتماعي، من منظور تأثيرها على الوعي التاريخي. إذ في الوقت الذي تنعم فيه مصر بقفزة رقمية غير مسبوقة (وصل عدد مستخدمي الإنترنت إلى 98.2 مليون شخص بنسبة 82.7% من السكان بحسب إحدى التقارير الدولية)، يتحول الهاتف المحمول إلى «ناقل أول» للمعلومات التاريخية يتفوق حتى على الكتاب المدرسي.
اعتمادًا على المصادر الرسمية وتحليل المحتوى والمقابلات الخاصة، يحاول التحقيق الإجابة عن سؤال محوري: هل تصحح «الشاشات» الوعي التاريخي أم تشوهه؟
قبل الحكم على «جيل زد»، لا بد من رسم صورة موضوعية لواقعه الرقمي. وفقًا لأحدث البيانات الصادرة عن منصة «DataReportal» بالتعاون مع «We Are Social»، وصل عدد مستخدمي الإنترنت في مصر إلى 96.3 مليون مستخدم مع بداية عام 2025، بمعدل انتشار بلغ 81.9%. كما بلغ عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي 50.7 مليون.
ونتيجة لذلك، تشير التقديرات إلى أن متوسط الوقت الذي يقضيه المصريون على الإنترنت بلغ 32 ساعة و43 دقيقة أسبوعيًا، أي ما يعادل نحو 4 ساعات ونصف يوميًا. وإذا انتقلنا إلى منصة «تيك توك» تحديدًا، وهو المصدر الأكثر تأثيرًا في استهلاك المحتوى القصير، نجد قفزة مذهلة: قفز عدد المستخدمين من 32.9 مليون عام 2024 إلى 41.3 مليون عام 2025، بزيادة تتجاوز 25% في عام واحد فقط.
تلك الأرقام تعكس أن الشباب المصري لم يعد يعاني من فجوة في الاتصال، بل يعاني من فيضان معرفي تتدفق فيه المعلومات والروايات التاريخية من كل اتجاه، دون رقيب أو مصدر موثوق.
«التاريخ لم يعد يُروى، بل يُستهلك»، هكذا يمكن وصف ظاهرة تحول الرواية التاريخية إلى «وجبات سريعة» على مواقع الفيديو القصير. استنادًا إلى تحليل محتوى عينة من الفيديوهات التاريخية الرائجة، تبرز آليات متكررة لتشويه الوعي التاريخي:
الاقتطاع والتجريد: يتم حذف السياق الكامل للحدث التاريخي، فيصبح الملك «رمسيس الثاني» مجرد «طاغية حب القتل» دون ذِكْر فترات ازدهاره وحروبه الدفاعية. وأمام غياب أي هيئة محلية متخصصة في مراقبة المحتوى التاريخي، تنتشر هذه الادعاءات دون رادع فوري.
نظرية المؤامرة كبديل عن المنهج: تُقدَّم الروايات الهامشية، كالتي تنسب بناء الأهرامات لقوى خارقة أو «عمالقة»، وكأنها «الحقيقة المغيَّبة»، في ظل غياب أدوات التحقق النقدي لدى شريحة كبيرة من المستخدمين.
تحويل التاريخ إلى «ميم»: يُختزل صلاح الدين الأيوبي أو كليوباترا في «نكات» لا تهدف إلى التشويه بقدر ما تهدف إلى جذب المشاهدات، لكنها مع التكرار تمحو الهيبة وتجعل المعرفة التاريخية هشة.
التضليل عبر الصورة المنتجة آليًا: تُستخدم الصور المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي لخلق مشاهد «تبدو أثرية» لأحداث لم تحدث أبدًا. الأمر الذي يعمق الأزمة، حيث يجد المستخدم صعوبة بالغة في التمييز بين الحقيقي والمزيَّف صناعيًا، في ظل انتشار أدوات التزييف العميق «Deepfakes».
مع هذا الزخم من التضليل والزيف البصري، يبرز سؤال مشروع: ما هو دور المؤسسات المسؤولة عن الوعي التاريخي، سواء كانت رقابية أو أكاديمية؟
في مارس 2026، صدر قرار عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (برئاسة الكاتب الصحفي الأستاذ كرم جبر) يلزم القنوات والمنصات الرقمية بعدم نشر أو تداول مقاطع تخل بالأمن القومي. لكن الملاحظ أن القرار لم يتضمن نصوصًا صريحة تتعلق بالمعلومات التاريخية المغلوطة أو المضللة، مما يجعل تنفيذه في هذا المجال المحدد مرهونًا بتفسيرات لاحقة.
أما على الصعيد الأكاديمي، فلا تزال مناهج التاريخ المصرية تدرس كمادة للحفظ، وليس كمهارة للتفكير النقدي وتحليل المصادر. وهنا يأتي تحذير خبراء التربية: فالمناهج التقليدية تكرس لعقلية «التلقي»، ولا تعد الشباب للتعامل مع عالم يمتلئ بالشائعات والمعلومات المتناقضة.
بعد تحليل الأزمة ورصد إخفاقات التصدي الحالية، يُمكن تصور حلول عملية تتجاوز الوعظ والإرشاد:
ردم الفجوة بين «التاريخ الأكاديمي» و«لغة الشاشة»: التاريخ يحتاج إلى مُقدّمين شباب يجيدون صناعة المحتوى القصير (تيك توك، ريلز) ويجمعون بين الدقة العلمية والجاذبية البصرية. في هذا السياق، يمكن الإشادة بجهود وزارة الشباب والرياضة عبر إطلاقها للنسخة الخامسة من ملتقى الوعي الأثري المصري، والذي يهدف إلى بناء كوادر شبابية تساهم في الترويج للمقاصد السياحية والثقافية وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية السياحة التاريخية والتراثية. هذه المبادرة يمكن تطويرها لتتضمن تدريبًا عمليًا على الإنتاج الرقمي.
تعديل مناهج التاريخ لتشمل «الأمية التاريخية الرقمية»: لا يكفي تدريس تواريخ وحروب، بل يجب تعليم الطالب كيف يتحرى صحة المعلومة التاريخية عبر الإنترنت، وكيف يستخدم أدوات البحث التاريخي الرقمي، وكيف يميز بين المصادر الأكاديمية والادعاءات غير الموثقة. وهذا سيجعل مناهج التاريخ أقرب إلى «سلاح وقائي» من التضليل.
ربط الإبلاغ عن التضليل بمكافآت رمزية: اقتراح يعتمد على حافز اقتصادي؛ فمكافأة المستخدمين الذين يبلّغون عن فيديوهات تاريخية مغلوطة بنقاط رقمية يمكن استبدالها بخصومات على دخول المتاحف أو شراء كتب تاريخية، يمكن أن يحول المستهلك السلبي إلى رقيب نشط، مستفيدًا من طابع «اللعب» الذي يحبه «جيل زد».
«جيل زد» ليس أمة جاهلة بتاريخها، بل أمة تعيد تعريف «مصادر المعرفة». وسائل التواصل ليست «شيطانًا مطلقًا»، لكنها سياق جديد يحتاج إلى أدوات جديدة للتعامل معه. فغياب المؤرخين والإعلاميين التقليديين عن هذا الفضاء، أفسح المجال تمامًا لصانعي المحتوى الهاوي أو المغرض. وإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، فإن «ذاكرة أمة» تخاطر بالتحول إلى مجرد «اتجاهات عابرة» و«ميمز» و«نظريات مؤامرة». لكن الفارق بين الخطر والفرصة يتوقف على أفكارنا الجريئة الآن، قبل أن يتحول الهاتف المحمول من نافذة على التاريخ إلى سجن للوعي.