في وقت أصبحت فيه الهواتف المحمولة الرفيق الأول للمسافرين، لم يعد السائح يعتمد فقط على الإعلانات أو الصور الرسمية لاختيار وجهته، بل باتت التقييمات الرقمية وآراء المستخدمين العامل الأكثر تأثيرًا في اتخاذ القرار السياحي.
فخلال السنوات الأخيرة، تحولت منصات مثل جوجل وتريب أدفايزر وفيسبوك وتيك توك إلى مرجع أساسي يعتمد عليه ملايين الأشخاص قبل حجز أي رحلة أو زيارة أي مكان، وأصبحت النجوم والتعليقات القصيرة قادرة على رفع مكان سياحي بالكامل أو التسبب في عزوف الزوار عنه.
ومع استمرار نمو القطاع السياحي في مصر، يرى خبراء أن معركة الترويج لم تعد مرتبطة فقط بتطوير الفنادق أو المواقع الأثرية، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالصورة الرقمية والانطباع الذي يتكون لدى الزائر عبر الإنترنت.
فالسائح الآن قد يقرر إلغاء زيارة مكان بالكامل بسبب تعليق سلبي أو تقييم منخفض، حتى لو كان المكان يتمتع بقيمة تاريخية أو سياحية كبيرة.
المشكلة، بحسب خبراء السياحة والتسويق الرقمي، تبدأ قبل وصول السائح بوقت طويل، لأن أغلب الزوار يجرون بحثًا سريعًا عبر الإنترنت قبل اتخاذ قرار الزيارة.
فالمستخدم يبحث عن:
تقييمات الناس
نظافة المكان
مستوى الخدمة
طريقة التعامل
مدى سهولة الوصول
جودة الطعام أو الخدمات القريبة
وفي كثير من الأحيان، يعتمد الزائر على آراء أشخاص لا يعرفهم بشكل كامل، لكنه يعتبر تجاربهم أكثر مصداقية من الإعلانات الرسمية.
قالت الدكتورة مروة السعيد، خبيرة الإعلام الرقمي: "الناس بقت تقرأ الكومنتات الأول قبل ما تبص على الإعلان نفسه."
وأوضحت أن أي تجربة سلبية يتم نشرها على الإنترنت قد تنتشر بسرعة كبيرة، خاصة مع الاعتماد الواسع على الفيديوهات القصيرة ومنصات التواصل الاجتماعي، مضيفة: "فيديو مدته دقيقة ممكن يأثر على قرار آلاف الناس، سواء بشكل إيجابي أو سلبي."
وأكدت أن بعض الأماكن السياحية ما زالت تتعامل مع الإنترنت باعتباره وسيلة دعائية فقط، بينما أصبح اليوم مساحة حقيقية لتقييم التجربة بشكل مباشر وعلني. كما أن تجاهل شكاوى الزوار أو عدم الرد على التعليقات السلبية قد يخلق انطباعًا بأن المكان لا يهتم بتجربة عملائه، مما لا يؤثر فقط على صورة المكان، بل قد ينعكس أيضًا على نسب الإقبال ومستوى الثقة لدى الزوار الجدد.
أكدت الدكتورة مروة السعيد أن القرار السياحي لم يعد يعتمد على الدعاية التقليدية كما كان في السابق، بل أصبح قائمًا بشكل أساسي على المحتوى الرقمي وتقييمات المستخدمين.
وقالت: "الناس دلوقتي بتحجز وتسافر بناءً على اللي بتشوفه أونلاين، خصوصًا تقييمات وتجارب الناس."
وأشارت إلى أن الزائر يهتم بمشاهدة التجربة الحقيقية أكثر من الصور الاحترافية، لذلك تحظى الفيديوهات العفوية المنتشرة عبر تيك توك وإنستجرام بنسبة مشاهدة وتفاعل أكبر.
ومن بين أهم الأشياء التي يبحث عنها الزائر داخل التقييمات: مستوى النظافة، وأسعار الخدمات، وسهولة الدخول، ومدى الازدحام، وطريقة تعامل العاملين.
وقالت: "السائح بيدور على تجربة حقيقية، مش مجرد صور متعدلة أو كلام دعائي."
وأضافت أن تجاهل إدارة الصفحات الرسمية للتعليقات السلبية يضاعف الأزمة، لأن المستخدم يشعر وقتها بعدم وجود اهتمام بالمشكلة أو محاولة لحلها. وأكدت أن بعض الدول أصبحت تخصص فرقًا كاملة لمتابعة تقييمات الزوار والرد عليها بشكل فوري للحفاظ على صورتها السياحية.
واحدة من أبرز المشكلات التي أشار إليها خبراء التسويق الرقمي هي انتشار التقييمات الوهمية أو المبالغ فيها على بعض المنصات.
وقالت الدكتورة مروة: "فيه أماكن أحيانًا بتحاول ترفع تقييمها بشكل غير حقيقي، لكن الزائر بقى أذكى وبيقدر يميز."
وأوضحت أن كثرة التقييمات المتشابهة أو غير الواقعية قد تضعف ثقة المستخدم في الصفحة بالكامل، مضيفة: "المصداقية أهم من التقييم العالي، لأن الناس بتدور على تجربة حقيقية."
وأكدت أن التقييمات الصادقة حتى لو تضمنت بعض الملاحظات البسيطة تمنح الزائر شعورًا أكبر بالثقة مقارنة بالتقييمات المثالية غير المقنعة.
أكد الخبراء أن المحتوى البصري أصبح العنصر الأكثر تأثيرًا في الترويج السياحي خلال السنوات الأخيرة. فالمستخدم لم يعد يكتفي بقراءة المعلومات، بل يريد مشاهدة المكان بشكل واقعي قبل اتخاذ القرار.
قال الخبير السياحي أحمد فاروق: "لقطة واحدة حلوة أو فيديو بسيط ممكن يخلي الناس تتحمس تزور المكان."
وأوضح أن نجاح أي مكان سياحي لم يعد مرتبطًا فقط بقيمته التاريخية أو الجغرافية، بل بطريقة تقديمه بصريًا عبر الإنترنت، مضيفًا: "فيه أماكن جميلة جدًا، لكن الناس مش عارفاها بسبب ضعف المحتوى الرقمي."
وأشار إلى أن بعض المقاصد السياحية تعتمد حتى الآن على صور قديمة أو جودة تصوير ضعيفة، رغم أن المنافسة أصبحت تعتمد على الصورة السريعة والجذابة، مؤكدًا: "المستخدم دلوقتي بيقرر خلال ثواني، لو الصورة جذبت انتباهه بيكمل، ولو لا بيقفل فورًا."
يرى خبراء أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تمتلك تأثيرًا يفوق أحيانًا المواقع الرسمية في الترويج السياحي. فالكثير من المستخدمين يفضلون مشاهدة تجارب حقيقية لمؤثرين أو زوار عاديين بدلًا من الاعتماد على المحتوى التقليدي.
قالت الدكتورة مروة: "السوشيال ميديا بقت أقرب للناس، علشان كده تأثيرها أكبر."
وأضافت أن بعض الأماكن السياحية حققت شهرة واسعة فقط بسبب انتشار فيديوهات قصيرة عنها على تيك توك أو إنستجرام، بينما تراجعت شعبية أماكن أخرى بسبب تداول تجارب سلبية أو فيديوهات أظهرت سوء التنظيم أو الزحام.
في جولة لرصد آراء عدد من المواطنين:
قال محمد علاء (24 عامًا): "أنا قبل ما أروح أي مكان بدخل أشوف التقييمات والكومنتات الأول."
أضافت نورهان أحمد (26 عامًا): "لو لقيت ناس كتير بتشتكي من حاجة معينة، غالبًا بغير قراري."
بينما قال كريم سعيد: "فيديو على تيك توك ممكن يخليني أقرر أزور مكان حتى لو مكنتش أعرفه قبل كده."
تشير تقارير التسويق الرقمي إلى أن نسبة كبيرة من المسافرين تعتمد بشكل أساسي على الإنترنت قبل الحجز أو السفر. كما تؤكد الدراسات أن أغلب المستخدمين يقرأون التقييمات قبل اتخاذ قرار الزيارة، وأن التقييمات المرتفعة تزيد بشكل مباشر من فرص الإقبال على المكان.
ويرى خبراء أن هذا التحول الرقمي جعل السمعة الإلكترونية جزءًا أساسيًا من نجاح أي مقصد سياحي.
أكد الخبراء أن الذكاء الاصطناعي بدأ يلعب دورًا متزايدًا في تحسين التجربة السياحية. فبعض المنصات أصبحت تعتمد على أنظمة ذكية لتحليل اهتمامات المستخدمين واقتراح أماكن تناسبهم بناءً على سلوكهم السابق.
قالت الدكتورة مروة: "الذكاء الاصطناعي بقى قادر يفهم اهتمامات الزائر ويقترح له تجربة مناسبة."
وأضافت أن هذه التقنيات يمكن أن تساعد أيضًا في تحليل تقييمات الزوار واكتشاف المشكلات المتكررة والعمل على حلها.
يرى الخبراء أن ضعف إدارة السمعة الرقمية يؤدي إلى عدد من النتائج السلبية، من بينها:
تراجع ثقة الزوار
انتشار الانطباعات السلبية بسرعة
انخفاض نسب الحجز
ضعف الترويج الإلكتروني
زيادة الاعتماد على مصادر غير رسمية
تراجع فرص المنافسة مع المقاصد الأخرى
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، طرح الخبراء مجموعة من الحلول التي يمكن أن تساعد في تحسين الصورة الإلكترونية للمقاصد السياحية:
أولًا: متابعة التقييمات – الرد عليها بشكل سريع لتحسين الثقة بين المكان والجمهور.
ثانيًا: تطوير المحتوى البصري – الاعتماد على صور وفيديوهات حديثة تنقل التجربة الحقيقية بشكل جذاب.
ثالثًا: دعم صناع المحتوى – التعاون مع المؤثرين لتقديم تجارب حقيقية تصل إلى جمهور أكبر.
رابعًا: الاعتماد على التحليل الرقمي – تحليل تعليقات المستخدمين لاكتشاف المشكلات المتكررة وتحسين الخدمات.
خامسًا: سرعة الاستجابة – الرد على شكاوى الزوار بسرعة يمنحهم شعورًا بالاهتمام ويقلل من انتشار الانطباعات السلبية.
سادسًا: تقديم تجربة حقيقية – أفضل وسيلة للترويج ليست الإعلانات، بل تقديم تجربة جيدة تدفع الزائر نفسه للحديث عنها بشكل إيجابي عبر الإنترنت.