في وقت تسجل فيه السياحة المصرية أرقامًا غير مسبوقة، وتواصل الدولة خطتها الطموحة للوصول إلى 30 مليون سائح سنويًا بحلول 2030، تبرز أزمة لا تقل أهمية عن تطوير المواقع الأثرية نفسها، وهي نقص المعلومات والمحتوى الرقمي على المواقع السياحية الرسمية والمنصات الإلكترونية.
ففي العصر الرقمي، لم يعد السائح يبدأ رحلته من المطار أو الفندق، بل تبدأ الرحلة من شاشة هاتفه المحمول، ومن أول بحث يجريه عن المكان الذي ينوي زيارته. وبينما تعتمد الدول السياحية الكبرى على مواقع إلكترونية متطورة توفر للزائر كل ما يحتاجه من معلومات، لا يزال كثير من الزوار في مصر يواجهون نقصًا واضحًا في البيانات الأساسية، ما ينعكس على تجربتهم منذ اللحظة الأولى.
وتزداد أهمية هذه الأزمة في ظل الأرقام القياسية التي حققتها مصر خلال 2025، بعدما استقبلت البلاد نحو 19 مليون سائح بزيادة 21% عن العام السابق، كما استقبلت المواقع الأثرية والمتاحف 18.6 مليون زائر بزيادة بلغت 33.5%.
هذه الأرقام تؤكد أن أي قصور في المحتوى الرقمي لم يعد مجرد مشكلة فنية، بل أصبح قضية تؤثر بشكل مباشر على صورة المقصد السياحي المصري وقدرته على جذب مزيد من الزوار.
المشكلة، بحسب خبراء السياحة والإعلام، تبدأ قبل أن يقرر الزائر النزول من منزله أو حجز رحلته، لأن أول خطوة يقوم بها أي سائح الآن هي البحث عن المعلومات عبر الإنترنت أو الصفحات الرسمية للمكان.
فالسائح، سواء كان مصريًا أو أجنبيًا، يبحث أولًا عن إجابات لأسئلة واضحة:
كيف أصل إلى المكان؟
ما أفضل وقت للزيارة؟
ما أوقات الزحام؟
هل توجد خدمات قريبة؟
ما سعر التذكرة؟ وهل الحجز إلكتروني أم من شباك التذاكر؟
وفي كثير من الأحيان، لا يجد إجابات كاملة، أو يجد معلومات ناقصة وغير محدثة، ما يجعله يشعر بالحيرة قبل الزيارة نفسها.
قالت الدكتورة سارة حراز، دكتورة الإعلام والآثار:
"الزائر لما بيخش المواقع بيكون تايه، لأنه مش بيلاقي المعلومات الأساسية اللي محتاجها. لازم يعرف هيوصل إزاي، الطريق بياخد وقت قد إيه، والزحمة إمتى، ولو فيه طريق بديل."
وأكدت أن غياب هذه المعلومات قد يؤثر على قرار الزائر، لأن كثيرين يفضلون الأماكن التي توفر لهم كل التفاصيل قبل التحرك، خاصة السائح الأجنبي الذي يعتمد بشكل كبير على المعلومات المنشورة عبر الإنترنت.
كما أضافت:
"الانطباع الأول بيكون أونلاين، ولو الموقع ضعيف أو ناقص معلومات، ده بيأثر بشكل مباشر على قرار الزائر، وبيخليه أحيانًا يعدل عن الزيارة من الأساس."
وأشارت إلى أن هناك مجموعة من النقاط الأساسية التي يجب أن تتوفر على المواقع الرسمية:
خرائط الوصول بشكل واضح.
وسائل المواصلات وأقرب المطاعم والخدمات.
أماكن الحمامات ودورات المياه، وأماكن الاستراحة، ومواقف السيارات.
مواعيد عمل المرشدين أو الجولات الإرشادية إن وجدت.
وقالت:
"من ضمن الحاجات المهمة جدًا، لازم يكون موجود أماكن الأكل القريبة والمطاعم والحمامات، لأن دي حاجات أساسية أي زائر بيدور عليها قبل ما يقرر يروح."
واحدة من أبرز المشكلات التي لفتت إليها الدكتورة سارة حراز هي عدم تحديث الصور المعروضة على المواقع الرسمية للمواقع السياحية والأثرية.
وقالت:
"الصور لازم تكون حديثة، لأن الصورة بتشد الزائر من أول لحظة وبتدي له تصور مبدئي عن المكان. الاعتماد على صور قديمة أو غير واضحة قد يعطي انطباعًا غير دقيق عن الموقع، بل وقد يسبب خيبة أمل للزائر عند الوصول."
وأكدت الدكتورة سارة أن اللغة تمثل نقطة ضعف في بعض المواقع السياحية، رغم أنها عنصر أساسي في تحسين تجربة المستخدم.
وقالت:
"لازم استخدام لغات متعددة بناءً على إحصائيات الزوار الأكثر زيارة، مش بس العربية أو الإنجليزية بشكل محدود. السائح الأجنبي يحتاج إلى محتوى بلغته أو على الأقل بلغة واضحة وسهلة."
وترى أن تجاهل هذا الجانب قد يقلل من فرص جذب شرائح أكبر من السياح، خاصة مع تنوع الجنسيات الوافدة إلى مصر خلال السنوات الأخيرة.
من جانبه، قال الخبير السياحي علاء ثابت:
"نقص المعلومات على المواقع بيوصل المعنى مش مكتمل للجمهور، وده بيخلي الصورة الذهنية عن المكان مش دقيقة."
وأوضح أن القيمة السياحية أو الأثرية للمكان قد تضيع أو لا تظهر بالشكل المطلوب إذا لم يتم عرضها بطريقة منظمة وجذابة، خاصة أن الزائر يعتمد بشكل أساسي على ما يراه ويقرأه قبل اتخاذ قرار الزيارة.
وقال:
"لازم الفكرة تتعاد صياغتها بحيث تكون قصيرة، واضحة، وفي نفس الوقت شاملة، علشان تناسب كل أنواع الزوار."
وشدد علاء ثابت على أهمية إشراك الشباب في عملية تطوير المحتوى الرقمي السياحي، نظرًا لخبرتهم الكبيرة في التعامل مع منصات التواصل الاجتماعي وصناعة المحتوى الحديث.
وقال:
"الشباب عندهم خبرة أكبر في السوشيال ميديا وصناعة المحتوى، وده بيديهم ميزة في فهم إزاي نعرض المكان بطريقة تجذب الناس."
وأكد علاء ثابت أن المحتوى البصري أصبح عنصرًا أساسيًا في الترويج السياحي، بل قد يكون أكثر تأثيرًا من النصوص في كثير من الأحيان.
وقال:
"صورة واحدة أو فيديو قصير ممكن يشرح المكان أكتر من صفحات كلام."
في جولة لرصد آراء عدد من المواطنين:
قال أحمد سامح (27 عامًا): "أنا ساعات بدخل الموقع الرسمي ومبلاقيش معلومات كفاية، فبضطر أسأل على جروبات فيسبوك أو أشوف تجارب الناس."
وأضافت منى علي (25 عامًا): "أوقات كتير الصور بتكون قديمة، والمواعيد مش محدثة، فببقى مش متأكدة من المعلومات."
بينما قالت نانسي محمود: "بقيت بدور على تيك توك أو يوتيوب علشان أشوف المكان الحقيقي وتجارب الزوار بدل المواقع الرسمية."
وتكشف الأرقام الرسمية حجم الاعتماد الكبير على القرار الرقمي قبل الزيارة، إذ سجلت مصر نحو:
19 مليون سائح بزيادة 21%
18.6 مليون زائر للمواقع الأثرية بزيادة 33.5%
رحلات من 193 مدينة حول العالم
وهو ما يعني أن ملايين الزوار يعتمدون بشكل أساسي على المعلومات الرقمية في اتخاذ قراراتهم السياحية.
وقالت الدكتورة سارة إن استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع السياحي ما زال في بداياته ولم يتم استغلاله بالشكل الكافي حتى الآن.
وأضافت:
"في فجوة كبيرة بين اللي الذكاء الاصطناعي ممكن يعمله واللي بيحصل فعليًا على الأرض."
وأشارت إلى إمكانية استخدامه في:
الرد الفوري على استفسارات الزوار
اقتراح مواعيد الزيارة
ترجمة المحتوى
ترشيح الأماكن القريبة
تحليل تقييمات الزوار لتحسين التجربة
ويرى الخبراء أن استمرار نقص المعلومات وعدم تحديث المحتوى الرقمي يؤدي إلى عدد من التأثيرات المباشرة، من بينها:
تراجع قرار الزيارة لدى بعض السياح
قصر مدة الرحلة
ضعف تجربة السائح داخل الموقع
تزايد التقييمات السلبية
تراجع الترويج الشفهي للمقصد السياحي
في ظل التحديات التي تواجه المحتوى الرقمي للمواقع السياحية والأثرية، طرح الخبراء مجموعة من الحلول التي يمكن أن تساهم في تحسين تجربة الزائر منذ لحظة البحث الأولى وحتى انتهاء الزيارة.
أولًا: تحديث مستمر
التحديث اليومي للمعلومات أصبح ضرورة وليس رفاهية، سواء فيما يتعلق بالمواعيد أو أسعار التذاكر أو الصور المعروضة.
ثانيًا: خرائط ذكية
تُعد الخرائط التفاعلية أحد أهم الأدوات الحديثة، من خلال توضيح الطرق المختلفة للوصول، واقتراح مسارات بديلة في أوقات الزحام.
ثالثًا: لغات متعددة
توفير المحتوى بعدة لغات أساسية مثل العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية أصبح أمرًا ضروريًا.
رابعًا: تقييمات حقيقية
إتاحة مساحة لآراء وتقييمات الزوار بعد الزيارة يمكن أن يضيف مصداقية أكبر للمحتوى.
خامسًا: الذكاء الاصطناعي
الاعتماد على شات بوت ذكي يجيب على استفسارات الزوار بشكل فوري، ويقترح أوقات الزيارة المناسبة.
سادسًا: ربط المواقع ببعضها
ربط المواقع السياحية ببعضها داخل نفس المنطقة الجغرافية، بحيث يتم اقتراح أماكن قريبة يمكن زيارتها، مما يساعد الزائر على تنظيم يومه بشكل أفضل.