في زمنٍ لم تعد فيه الكلمات عابرة، ولا الصور مجرد لقطات عابثة، صارت منصات التواصل الاجتماعي ساحاتٍ تُصاغ فيها ملامح الأوطان، وتُرسم عبرها خرائط الانطباع الأولى في عيون العالم، لم يعد السائح يفتح دليلًا ورقيًا، ولا ينتظر إعلانًا رسميًا؛ بل ينصت إلى نبض الشارع كما تنقله منشورات الناس، ويقرأ ملامح المدن في تعليقات عابريها، ويُصدّق ما ترويه العدسات البسيطة قبل الكاميرات الاحترافية.
وهكذا، غدت السوشيال ميديا مرآةً تعكس الحقيقة.. أو ما يُظن أنه الحقيقة، مرآةٌ قد تُظهر بلدًا في أبهى صوره، أو تُغرقه في ظلال الشك والخوف، وبين هذا وذاك، يقف قطاع السياحة على خيطٍ دقيق، يتأرجح مع كل منشور، ويهتز مع كل رواية تُتداول، صادقةً كانت أم مضللة.
وفي قلب التوترات الإقليمية التي ألقت بظلالها على المنطقة، خاصة مع اشتعال الحرب الإيرانية، بدا الشرق الأوسط في أعين كثيرين مساحةً واحدة تختلط فيها الجغرافيا بالسياسة، وتذوب فيها الفوارق بين دولةٍ وأخرى، وهنا، كان الخطر صامتًا.. ليس في الواقع، بل في الصورة الذهنية التي قد تُرسم من بعيد، بلا تدقيق أو تمييز.
لكن في هذه اللحظة الفارقة، ارتفعت أصوات المصريين عبر فضاءات التواصل، لا بخطابات رسمية، بل بحكايات يومية نابضة بالحياة.. صور لشوارع القاهرة المضيئة، مقاطع لبحار الغردقة الهادئة، مشاهد من الأقصر حيث التاريخ يتنفس تحت شمسٍ مطمئنة، وابتسامات سياح تمشي واثقة بين الناس، بالإضافة إلى نوعٍ آخر من المنشورات لا أفضل الحديث عنه باستفاضة نظرًا لتحفظي على طريقة تناول الناس للأزمة ولكنها كانت فعالة.. ومن أمثلة تلك المنشورات ما يلي: "اللي عنده فول وطعمية أحسن من اللي عنده قواعد أمريكية" وغيرها من المنشورات التي تحمل مقارنة بين وضع مصر الآمن وبين غيرها من الدول المحيطة.. وكانت تلك المنشورات، في بساطتها، أشبه برسائل طمأنة تُبعث إلى العالم رسالة مفادها: هنا بلدٌ حي.. آمن.. مفتوحٌ دائمًا للزائرين.
ولولا هذا السيل من الصور الصادقة والانطباعات الإيجابية والمنشورات الكوميدية التي انتصرت للطعمية والفول على خوف بعض العقول، لربما انساقت العيون خلف ضجيج الأخبار، ولأصبح قطاع السياحة المصري في مواجهة خسائر جسيمة في ظل الخسائر اليومية التي يتكبدها الشرق الأوسط بسبب الحرب والتي تقدر وفقًا للبيانات الرسمية بنحو 600 مليون دولار يوميًا، لا لشيء إلا لأن الصورة لم تكتمل، أو لأن الحقيقة لم تُروَ كما ينبغي، فالسائح، في عصرنا هذا، لا يبحث عن الحقيقة الكاملة بقدر ما يبحث عن الإحساس بالأمان، وهذا الإحساس يُصنع غالبًا في تعليق عابر، أو لقطة عفوية، أو شهادة غير متكلفة وهذا ما نجح فيه المصريين بإمتياز.
كل منشور إيجابي كان بمثابة حجر في جدار الثقة، وكل صورة صادقة كانت درعًا يقي السياحة من رياح الشك."
غير أن هذه القوة ذاتها تحمل في طياتها وجهًا آخر، فكما تُبنى الثقة بكلمة، قد تُهدم بشائعة، وكما تُفتح الأبواب بصورة جميلة، قد تُغلق بمعلومة مغلوطة، فالسوشيال ميديا ليست بريئة تمامًا، ولا مُدانة بالكامل؛ إنها أداة، تتشكل بوعي مستخدميها، وتُسخّر بقدر إدراكهم لأثر ما يكتبون وينشرون.
لقد أثبتت التجربة أن المواطن لم يعد مجرد متلقٍ، بل صار شريكًا في صناعة الصورة، ومسؤولًا - ولو بغير قصد - عن حماية أحد أهم موارد بلاده، فكل منشور إيجابي كان بمثابة حجر في جدار الثقة، وكل صورة صادقة كانت درعًا يقي السياحة من رياح الشك، وعلى الرغم من تأثر قطاع السياحة في مصر بسبب تداعيات الحرب الإيرانية إلا أنه لم ينهار بل أثبت صلابته في مواجهة التحديات والأزمات ويرجح الخبراء أن يستمر القطاع في الازدهار خلال الأشهر المقبلة مدفوعًا بثقة العالم في أمن واستقرار الدولة المصرية وبفضل وعي المصريين الذين يصدرون أروع الصور عن أوطانهم.
وفي النهاية، لم تعد المعركة على أرض الواقع فقط، بل على الشاشات أيضًا.. هناك، حيث تُكتب الانطباعات الأولى، وتُحسم القرارات قبل أن تُحجز التذاكر، وفي هذا العالم الرقمي المتسارع، يصبح الوعي ليس رفاهية، بل ضرورة.. لأن كلمة واحدة قد تُنقذ موسمًا سياحيًا، وأخرى قد تُبدده في لحظة.