لم تكن سيناء يوماً في الوجدان المصري مجرد امتداد جغرافي تذروه الرياح؛ بل هي قطعة من داخل القلب، ودرّة في تاج الكنانة. في مثل هذا اليوم، تنسمت مصر عبير الانتصار، وطوت إلى الأبد صفحة الانكسار. فسيناء، أرض الفيروز التي رُويت حبات رمالها بدماء الشهداء الأبرار، تقف اليوم شاهدة على إرادة لا تلين، وعزيمة لا تستكين؛ كأن جبالها الشامخة تعانق شمس الحرية بعد ليل طويل من الاحتلال، وكأن أمواج بحرها تعزف سيمفونية الخلاص، في لوحة امتزج فيها عرق الرجال بدمائهم، لتنبت على أرضها زهور الكرامة والعزة.
غير أن استرداد هذه الأرض المباركة لم يتنزل علينا من السماء كمنحة مجانية، ولم يأتِ على طبق من ذهب عبر أروقة السياسة الكسولة؛ بل كان تتويجاً لملحمة متكاملة الأركان. إن الفضل الأول في هذا العيد يعود لذلك الجندي المصري البسيط، الذي حمل روحه على كفه، وعبر قناة السويس في السادس من أكتوبر عام 1973، ليحطم غرور "الجيش الذي لا يقهر"، ويدك حصون خط بارليف. تلك الدماء الزكية هي التي عبّدت الطريق، وفرضت واقعاً جديداً أجبر العالم على الاستماع لصوت الحق.
ومن خندق المعركة، انتقلت مصر إلى خندق لا يقل ضراوة؛ وهو مائدة المفاوضات. هنا، تجلت الرؤية الثاقبة للرئيس الراحل أنور السادات، "بطل الحرب والسلام"، الذي أدرك بعبقرية سياسية أن نصر أكتوبر هو المفتاح لاسترداد الأرض كاملة. وبفضل المفاوضات الشاقة، وُلدت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في عام 1979. وبموجب هذه الوثائق والمواثيق الدولية، التزمت إسرائيل بالانسحاب الكامل، ليأتي الخامس والعشرون من أبريل عام 1982 موعداً لرفع العلم المصري خفاقاً فوق شبه جزيرة سيناء.
ولأن الكرامة لا تُجزأ، لم تفرط مصر في شبر واحد من أرضها. حينما حاولت إسرائيل التلاعب في العلامات الحدودية عند طابا، خاضت الدبلوماسية المصرية -مدعومة بالخبراء القانونيين، والجغرافيين، والتاريخيين- أشرس معركة تحكيم دولي، والتي تُوجت في عام 1989 بعودة طابا؛ لتكتمل بذلك لوحة التحرير بالوثيقة والقانون، تماماً كما بدأت بالمدفع والدم.
وما أود قوله أخيراً لك أيها القارئ، إن إحياء ذكرى تحرير سيناء يجب ألا يتوقف عند حدود الأغاني الوطنية والاحتفالات الرسمية؛ إنها "بوصلة" وطنية يجب أن ترشد الأجيال المتعاقبة. نصيحتي لكل شاب وفتاة: اقرأوا تاريخكم جيداً؛ لتعرفوا الفاتورة الباهظة التي دُفعت لتسيروا اليوم آمنين على هذه الأرض. إن الحفاظ على سيناء اليوم لم يعد مقتصراً على السلاح وحراسة الحدود فحسب، بل إن درعها الحقيقي يكمن في الوعي، وفي معاول البناء، والتنمية، والتعمير. لنكن على قدر هذه الأمانة الثقيلة، ولنجعل من إرادة التحرير دافعاً ويقيناً بأننا قادرون دوماً على قهر المستحيل، وعبور كل التحديات.