الرياضة كانت وما زالت جزءًا أصيلًا من الحضارة المصرية القديمة، حيث تكشف شواهد التاريخ وجدران المعابد والأهرامات عن عظمة المصريين في مختلف مجالات الحياة، فكما سبق المصري القديم عصره في الطب والفلك والعلوم والهندسة، فقد كان أيضًا من أوائل من أدرك أهمية النشاط البدني، ومارس الرياضة كجزء أساسي من يومه، وابتكر أنشطة بدنية متعددة تحولت مع مرور الزمن إلى ألعاب رياضية عالمية تقام لها بطولات كبرى وأولمبياد.
ومع الاحتفال بافتتاح المتحف المصري الكبير، تتجدد قراءة هذا الإرث العظيم من زاوية مختلفة، حيث يمكن تخيل المصريين القدماء وكأنهم يعودون للحياة مجددًا داخل هذا الصرح العالمي، ليعرضوا أمام ضيوف مصر من مختلف دول العالم ما كانوا يمارسونه من أنشطة رياضية شكلت لاحقًا أساس العديد من الرياضات الحديثة، وكأن العالم استلهم منهم هذه الألعاب وصاغها في صورة بطولات ومسابقات تحمل أسماء مختلفة اليوم.
وفي هذا السياق، يظهر الملك سنوسرت الثالث، خامس ملوك الأسرة الثانية عشرة، في مشهد تخيلي وكأنه يعبر قناة سيزوستريس التاريخية، أول قناة مائية ربطت بين البحرين الأحمر والمتوسط عبر النيل، ليقدم أمام الحضور واحدة من أكثر الرياضات التي كان يعشقها، وهي رياضة الجري والسباقات الصباحية، حيث كان يقود كبار رجال قصره في سباقات منظمة تقام في الصباح الباكر قبل تناول الطعام، في مشهد يعكس روح المنافسة واللياقة البدنية التي تمتع بها، وكأنه ينافس أبطال ألعاب القوى في العصر الحديث.
وعلى امتداد مشهد المتحف الكبير، ينتظر الملك أمنحتب الثاني لحظة ظهوره، ليجسد أمام الزوار جانبًا آخر من القوة البدنية والمهارات المرتبطة بالحرب والرياضة في آن واحد، حيث اشتهر بقدرته على استخدام القوس والسهم، وهو القوس الذي دُفن معه وأصبح رمزًا تاريخيًا لرياضة القوس والسهم الحديثة، التي تحولت لاحقًا إلى واحدة من أبرز الرياضات العالمية ذات البطولات المنظمة.
وعند المدخل الرئيسي للمتحف المصري الكبير، وعلى مساحة شاسعة تبلغ نحو 7000 متر مربع، يظهر الملك رمسيس محاطًا بعدد من القطع الأثرية الضخمة، في مشهد يعكس قوة المصري القديم ومهاراته البدنية المرتبطة بالصيد والرماية، حيث عرف بكونه رامٍ ماهر للسهام وصيادًا بارعًا، وهو ما منحه مكانة خاصة بين الملوك الذين ارتبطوا باللياقة البدنية والقدرة على التحمل، ليظل هذا الجانب شاهدًا على أسلوب حياته الذي حافظ من خلاله على قوته عبر السنين.
وفي الداخل، وتحديدًا عبر الدرج العظيم بالمتحف، الذي يمتد على مساحة تقارب 6000 متر مربع بارتفاع يعادل ستة طوابق، ويضم عشرات القطع الأثرية الضخمة، يطل أمنحتب الثاني مرة أخرى ليحكي جانبًا من سيرته المرتبطة بالرياضة، حيث برع في رياضة العدو والتجديف، واعتبر من أبرز الملوك الذين جمعوا بين القوة والسرعة، وقد وثقت النقوش الأثرية القديمة تفوقه في سباقات العدو وقدرته على التجديف لمسافات طويلة بشكل فردي، في صورة تؤكد أنه كان نموذجًا مبكرًا للرياضي المتكامل.
أما في قاعة توت عنخ آمون، الممتدة على مساحة كبيرة وتضم آلاف القطع الأثرية التي تُعرض لأول مرة مجتمعة، فتظهر صورة مختلفة للرياضة في حياة الملك الشاب، الذي حالت إصابته دون ممارسة الأنشطة البدنية القوية، ما دفعه إلى الاعتماد على أشكال أخرى من الحركة الخفيفة مثل الرماية وبعض الألعاب الترفيهية، في دلالة على تنوع أشكال النشاط البدني حتى في ظل الظروف الصحية المختلفة.
وقبل نهاية الجولة داخل المتحف المصري الكبير، وعند المنطقة المطلة على الأهرامات، يستمر المشهد في التأكيد على أن المصري القديم كان صاحب بصمة واضحة في تاريخ الرياضة الإنسانية، حيث تنوعت أنشطته بين المصارعة ورفع الأثقال والملاكمة وألعاب التوازن، وهي الرياضات التي ما زالت آثارها واضحة في النقوش الموجودة في مقابر بني حسن وسقارة، والتي تعد دليلاً حيًا على أن الرياضة كانت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية وليست مجرد نشاط ترفيهي.